Total Pageviews

Showing posts with label الأطفال. Show all posts
Showing posts with label الأطفال. Show all posts

Jun 29, 2012

الطلاق النفسي



د. يوسف بن عثمان الحزيم




(1)

تتعرض مؤسسة الزواج خاصة في سنواتها الأولى لأزمات حادة، يتآكل فيها الحب والعطف فيؤدي إلى انهيار الشكل القانوني فيحدث الطلاق الشرعي وتعريفه لغة: الإرسال والترك، وشرعاً: حل رابطة الزواج وإنهاء العلاقة، وهو مكروه إلا لسبب. فعن ابن عمر أن رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ قال: "أبغض الحلال إلى الله ـــ عز وجل ـــ الطلاق" رواه أبو داوود، قال ابن سينا في كتابه "الشفاء": "أن يكون إلى الفرقة سبيل ما، وألا يسد ذلك من كل وجه، لأن حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوهاً من الضرر والخلل. منها أن الطبائع، ما لا يألف بعض الطبائع فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر والخلاف وتناقصت المعايش"، وقد بلغت نسبة الطلاق في السعودية درجة مخيفة تنذر ـــ إن لم تكن كذلك ـــ بكارثة اجتماعية تحت السطح، ففي عام 1428هـ فقط بلغت حالات الزواج 130451 حالة، منها 28561 حالة طلاق بنسبة 21.89 في المائة، وفي الرياض مثلاً بلغت حالات الطلاق ثلاثة آلاف امرأة من أصل 8500 حالة زواج.

(2)

إن النوع الثاني من الطلاق هو الطلاق النفسي، ويسمى العاطفي علمياً، حين تغيب المودة والرحمة والعطف والحب من العلاقة بين الزوجين لفترة طويلة، وبذا تصبح مؤسسة الزواج إطارا قانونيا خاليا من المعنى.. يحافظ عليه الشريكان مجبرين لعدة أسباب سيرد ذكرها.

يعرّف الطلاق العاطفي بأنه: "حالة تعتري العلاقة الزوجية يشعر فيها الزوج أو الزوجة أو كلاهما؛ خواء المشاعر منعكساً على جميع التفاعلات داخل الأسرة، وهو عكس التوافق الزواجي حين يسعى كل طرف لتحقيق الرضا للطرف الآخر بإشباع رغباته سواء كانت جسمانية أو عاطفية، أو اجتماعية، أو اقتصادية" فيما يعرفها آخر بـ "الفتور العاطفي الدائم، وافتقاد الاهتمام أو المساندة النفسية والأخلاقية".

إن الطلاق النفسي عند المرأة أكثر منه عند الرجل وقد لا يعلم أو يتوقع أحد الطرفين عمق المشكلة بسبب افتقادهما المناقشة والحوار، فيقع المنزل ضحية تمثيلية كبيرة أبطالها سيموتون جميعاً في فصلها الأخير.

(3)

من أبرز أسباب الطلاق العاطفي:

1. التباين الشديد بين الزوجين في العمر أو التعليم والثقافة أو مستوى الجمال والوسامة أو المال أو العرق أو الجنسية أوالمنطقة، ولا سيما في الدول الشاسعة ذات الثقافات المتعددة.

2. الخيانة الزوجية أو تعدد الزوجات أو التهديد الدائم بالتعدد.

3. البيئة الاجتماعية التقليدية المتماسكة أكثر مما يجب حين تغيب حقوق الفرد لصالح جماعة الوالدين والأهل والأقارب، يقابله ضعف شخصية الزوجين أو أحدهما.

4. حب التملك والاستحواذ، إما بدافع الخوف وإما السيطرة، وتلعب الذاكرة الجمعية للتنشئة الأسرية دوراً كبيراً فيها.

5. الأمراض النفسية الجينية الوراثية حين تكون العائلة الممتدة أو العشيرة أكثر استعدادا من غيرها للإصابة بالاكتئاب والرهاب.

6. وجود الحب ولكن تنقصه المعارف والمهارات والخبرة للتواصل الإنساني والتعبير الحر عن الرأي أو فن التخطيط وإدارة الحياة، ويعود ذلك لفشل التربية الأسرية ونظام التعليم العام والدعوة.

7. ارتفاع مستوى التوقعات وبناء صورة ذهنية وردية متكئة على مسلسلات تلفزيونية وأفلام غرامية أو فترة الخطبة التي حفلت بكل ما هو مغر، وفق تمثيلية عفوية أبرز كل طرف أجمل ما فيه ثم يصطدمان لاحقاً في مؤسسة الزواج التي تحتاج إلى كد وعمل لإنجاحها.

8. نقل ضغوط العمل الناجمة عن الوظيفة وبناء المستقبل الوظيفي أو المسار التعليمي نحو تحسين دائم للوضع الاقتصادي للأسرة، في حين يعاني الأثرياء من صعوبة إدارة العاملين والتصدي للمنافسة المتجددة ومعالجة مخاطر الاستثمار، وكل هذا وذاك يستلزم قضاء وقت طويل خارج المنزل بذهن مشغول وقلب مشحون وأعصاب متوترة وإن بدت في الظاهر ساكنة.

(4)

يمكن للمصابين بالطلاق النفسي معرفة ذلك، إذا توافرت فيهما أو أحد منهما بدرجة كبيرة ما يلي:

1. يا نار شبي من ضلوعي حطبك: أي سرعة اشتعال الخلاف كسرعة الدعسة الأولى من سيارة لامبرجيني حين تقوم من التوافه معركة لها أول وليس لها آخر.

2. الصهيونية العالمية: انهيار الثقة لدرجة استغراب حدوث شيء جيد، ويغلب على ظنهما حدوث الأسوأ دائماً وأن هذا الفعل الحسن تخبأ خلفه مؤامرة.

3. البرود الجنسي: افتقاد الحميمية وتباعد المعاشرة الجنسية وإهمال الاستعداد أو الاستمتاع بها وتغدو علاقة خالية من الروح حين يدندن عقلك الباطن أثناءها: "إلي يبينا عيت النفس تبغيه وإلى نبيه عي البخت لا يجيبه".

4. الاتجاه المعاكس: عدم توافق الآراء في كل شيء، فهي تقول يمين وهو يقول يسار، وهو يقول صح وهي تقول خطأ!! ثم تقََبع من جديد، ويا نار شبي... إلخ.

5. النهب المنظم: أي الابتزاز المادي لغرض تعويض المتضرر، كأن تكون الزوجة صغيرة العمر ومتزوجة بشيخ كبير أو تعاني من الخيانة الزوجية أو تورط زوجها في المسكرات والمخدرات أو مرض الزوج بداء عضال ومزمن، ويمتد النهب المنظم للزوجة الساعية لإفقار زوجها كي لا يفكر في الزواج من ثانية، أو إشعاره الدائم بالعجز المادي نحو تلبية حاجات الأسرة فيصاب بالهزيمة النفسية فتسهل السيطرة عليه تالياً.

6. أنا بكرهك: المحاولة المتكررة لإيقاع الإيذاء المعنوي بجرح الكرامة والشتم بعبارة وقحة ومؤلمة، تهاجم فيه أنوثة المرأة أو ذكورية الرجل أو التعيير بماضيهما والتبجح بالفوقية وإشعار الطرف الآخر بالدونية "التهميش"، وتبلغ الإهانة مداها بالتعدي بالضرب والإيذاء الجسدي "العنف الأسري".

7. الفكة من جحا غنيمة: يحدّث الزوجان نفسيهما برغبة كامنة وقوية في الترك، مؤمنين بانسداد أفق الحياة، والتطلع والتمني بقوة للارتباط بشريك آخر موجود أو متوهم والتعلق بشخصيات عامة.

8. مظلوم يا حضرة الضابط: ممارسة الزوج أو الزوجة دور الضحية المنتهكة حقوقه وكثرة الشكوى للقريب والبعيد بالرغم من التضحيات التي قدمها كافة، في المقابل يجحد حسنات الطرف الآخر قائلاً: ما رأيت خيراً قط.

9. فضيحة بجلاجل: لقد بان للمحيط الأسري اختلاف الزوجين بما لا يدع مجالا للشك، وقد أصيب الأبناء بفقدان الثقة بالحياة، وتلمس عندهم إما عدوانية وإما انطواء "شخصيات غير سوية"، مسبباً آلاماً نفسية عميقة.

10. دكتور ألحقني: الإصابة بالصداع المزمن والكسل الشديد، والإرهاق، وفقدان الوزن أو زيادة الوزن المفرطة، وآلام المفاصل، أو القيء وظهور الطفح الجلدي في حالات نادرة.

(5)

إن الحلول المطروحة لمشكلاتنا المجتمعية ومنها مشكلة الطلاق النفسي ثلاثية الأبعاد: مجتمعية تقليدية تعتمد على قمع الحقوق الفردية لصالح أعراف التاريخ والجماعة، أو قراءة حدية ومتزمتة للنصوص الدينية، أو ليبرالية أطلقت العنان للغريزة وهاجمت كل ما هو ثابت دينياً، محاكاة للتجربة الإنسانية الغربية، بل تطرفت في دعواها انتقاما من ممارسات أشخاص بعض المتدينين.

إن التحدي الفكري والحضاري لنا سوسيولوجياً هو في استيلاد حلول ممكنة ووسطية تراعى فيها ثلاثية: الدين، العرف، والحياة المعاصرة، ولذا فإن أي خيار تسعى إليه المؤسسات المدنية وهي يتبنى خطأً فكرياً للإصلاح مختلفاً ومتطرفاً ستبوء بالفشل قطعاً. أما على صعيد الفرد فعنده من الأسباب داخل دائرة التأثير ما قد يؤدي إلى إصلاح العلاقة الزوجية والانتقال تدريجياً بها من الفتور إلى الحب والعطف والمودة والتقدير وهي:

1. زواج.. طلاق.. خلع..

قد يكون الزواج من ثانية حلاً لمشكلة الزواج الأول عندما لا يحمّل الزوج جميع المسؤوليات لزوجته الأولى كما يشبع تطلعاته فتتحسن العلاقة، وأرجو أن تتنبه إلى كلمة: قد!! فيكفيني الهجوم الشرس الذي تعرضت له في مقالتي السابقة (النقطة "5") عندما ناديت بالزواج العظيم المسمى: المسيار.. كما قد يكون الحل في الخلع أي إعلان الطلاق الرسمي "الشكلي" من الرجل لأن الطلاق واقع في الحقيقة ولا يحتاج إلا لقص الشريط فقط، سيما إذا كانت الزوجة أو الزوج تمكنت منهما الكراهية، وهناك إجماع من الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي على سوء أحدهما في المنزل والعائلة الكبيرة والعمل والأقارب والأصدقاء، باستثناء حالات نادرة ليس أمامها إلا التعايش، وعندها لا تملك إلا تحجيم المشكلة قدر ما تستطيع فتحتسب وترجو الأجر والثواب من الله ـــ العليم اللطيف.

2. سعادة المستشار: يجب عدم السكوت والمباشرة فوراً بزيارة عيادات الاستشارات النفسية أو استشارة قريب ناصح وحكيم، والحذر الحذر من استشارة الأقران مهما كانوا مقربين، فقد تكون فرصة لبعضهم في التشفي فيدلي بنصائح تعمّق المشكلة أكثر فأكثر.

3. قل خيراً أو اصمت: إذا ترددت في التعبير عن مشاعر الغضب فالأفضل ألا تتحدث بها في ظرف نفسي صعب، لأن الحديث سيعود بك إلى.. يا نار شبي... إلخ.

4. أدخل الكهف: الرجل إذا تأزم يرغب في الهروب والانزواء، والمرأة إذا تأزمت ترغب في الشكوى والثرثرة للآخرين لساعات طويلة عبر الهاتف، وعليه فإن على الزوجين تفّهم واحترام هذا السلوك الطبيعي الذي يحدث في كل بيت بما في ذلك البيت الأبيض.

5. النار من مستصغر الشرر: قلل اعتمادك على الطرف الآخر بأن تخلق مشروعك الحياتي الخاص والتمتع ولو لمرحلة زمنية معينة ريثما تهدأ النفوس، وعلى الرجل العناية بحاجات المرأة المنزلية إما بنفسه وإما باستخدام موظف أمين ومطيع، كما على المرأة العناية بحاجات الرجل المنزلية إما بنفسها وإما باستخدام عاملة كفؤة، فالقصور في تلبية الحاجات الآنية والصغيرة سيعمق المشكلة لا محالة.

6. الله يرحم الحجاج عند ولده: لا بد أن نعترف بأن أحد الأسباب الجوهرية للمشكلة ـــ ولا سيما للمتزوجين الجدد ـــ هي: ارتفاع سقف التوقعات، ولعلك تلاحظ أن 70 في المائة من حالات الطلاق تتم في أول سنتين من الزواج، ولا يخفض توقعات الزوجين إلا التعرّف على المشكلات الأسرية في البيوت الأخرى التي أغلبية الناس لا يظهرونها بل يمثلون السعادة على الآخرين، كما على الزوجين العناية والقبول بالنسبية بأن يرفض ويقبل منه أو منها خلقا آخر والصبر، فكلها 60 سنة إن كثّرت وكل طرف سيفارق الآخر.

7. الطفل الكبير: الرجل يبحث عن الدفء والحنان كما الطفل الصغير وإن بدأ خلاف ذلك ظاهرياً، وعلى الزوجة أن تعلم أن هذا الوحش سهل جداً ترويضه، أما لاحظت ضعفه عندما تبتسم له أي امرأة كانت!! إنك تملكين قوة تأثير نووية وهي: أنك أنثى. تقول الدكتورة لورا شلنسجر في كتابها "قوة الزوجات الخفيّة": "تستطيع المرأة استعمال قوتها أكثر من الرجل في علاقتها معه، فالرجل ولد من المرأة، وربّي على يد المرأة، ولجأ إلى المرأة للعلاقة الوثيقة التي تربط بينهما، والمرأة أساس توازن الرجل العاطفي طيلة حياته".

8. كن كالقنفذ: التقي قنفذان في ليلة شاتية باردة يبحثان عن الدفء فتقاربا وآلما نفسيهما بالشعر الشوكي ثم تباعدا ثم تقاربا وتباعدا حتى وصلا إلى أكبر قدر من الدفء بأقل قدر من الألم. إن مؤسسة الزواج تتطلب من كل طرف أن يتعرف حدود الآخر وأين المكان الوسط الذي يقف عنده.

9. السفر إلى النور: أن تغيير المكان بالسفر والاستجمام والترفيه خارج المدينة أو تغيير أثاث المنزل أو الانتقال لمنزل جديد قد يحدث تغييراً جوهرياً في ذاكرة المكان السيئة والبدء في فتح صفحة جديدة.

10. الرياضة والقراءة والصداقة: أكاد أقسم غير حانث أن 50 في المائة من مشكلاتنا الحياتية حلها في ممارسة الرياضة حين نتخلص من الضغوط ونشعر ببهجة الصحة واعتدال المزاج، كما أن قراءة الرواية تهذب النفس وتشغل الذهن بما هو مفيد، كما تحسن الخبرة الإنسانية على التواصل والتفهم. إن معرفتنا المتجددة بأناس أصحاء نفسياً وإيجابيين وتبادل الزيارات معهم ستسهم في نقلنا إلى بيئة ثقافية أحسن، فالطيور على أشباهها تقع.

11. اكذب حتى تصدق نفسك: لقد رخص لنا مجاملة الزوج أو الزوجة حتى لو كان كذباً. إنني أتعجب من رجال ونساء ساحرين يكذبون أو يبالغون في مدحهم ولكننا مضطرون إلى تصديقهم.. إنها فطرتنا.

12. طول بالك: إن صناعة السعادة في المنزل ليست بالأمر اليسير والتلقائي، إنها صناعة تحتاج إلى زمن تتراكم فيه الخبرات الإيجابية وسيطول أكثر إذا كانت الخبرات السابقة سلبية، ولذا علينا الصبر فالكأس لن تفيض إلا إذا امتلأت.

ختاماً: هناك كلمة واحدة مختصرة وسحرية قد تغنيك عن مقالتي وهي: عليك أيتها المرأة إشهار سلاحك النووي وهو أنوثتك، أما أنت أيها الرجل فلا تحاول التغيير فهذا حلم إبليس في الجنة، بل تفهم وتقبل وابحث عن الممكن والمشترك.

أيها السعوديون المتزوجون... تغيروا أو ارحلوا.

http://www.aleqt.com/2011/05/28/article_542984.html?related

Jun 10, 2012

التربية الجنسية



بقلم: الدكتور سامر جميل رضوان

         مدخل


تهدف التربية السكانية إلى تعريف السكان بالظاهرات السكانية من حيث أسبابها والعوامل التي تتحكم فيها والآثار المترتبة عليها والعلاقات التي تربطها وتوجيه هذه المعرفة نحو تكوين اتجاهات ومواقف تؤثر في سلوك الأفراد لتحسين نوعية الحياة للفرد والأسرة والمجتمع.

وهي من هذه الناحية ومن أجل تحقيق أهدافها لابد من أن تستخدم معارف من العلوم الإنسانية بجميع فروعها وخصوصاً علم النفس وبشكل أخص معارف من الصحة النفسية وعلم نفس الصحة والصحة العامة. فهذه العلوم تتجه بالدرجة الأولى إلى تحليل سلوك الإنسان وخبرته وتدرس الإنسان في تفاعله وتواصله مع المحيط البيئي والاجتماعي من حيث هو كائن اجتماعي يعيش في إطار محدد اجتماعياً سواء كان هذا الإطار المجتمع الكبير أم الأسرة أم مجموعة العمل أو المؤسسة التي ينتمي إليها هذا الفرد ، مع مراعاة المحددات الفيزيولوجية و البيولوجية. ويعتمد تحقيق أهداف التربية السكانية ، أي تحقيق التأثير في سلوك الأفراد بهدف بناء مواقف واتجاهات إيجابية نحو الحياة على العلوم النفسية بالدرجة الأولى والمعارف التي تقدمها مختلف فروعه في هذا المجال. وإن أية سياسة سكانية تتجاهل هذا الجانب لابد وأن تفشل في تحقيق أهدافها.

ويفترض لأية سياسة سكانية تهدف إلى وضع الإطار العام من أجل صياغة السياسة العامة في مجال توزع وانتشار وتفاعل السكان ، بغض النظر عن الهدف سواء كان أسرياً أم تنموياً-اقتصادياً أم بيئياً أم ثقافياً ألاَ تتجاهل الجانب الصحي الوقائي في جميع وجوهه. وهنا يمكن النظر إلى علم نفس الصحة
Health Psychology وعلم الصحة النفسية Mental Health على أنهما جزء أساس من التربية السكانية ذلك أنهما فرعان متكاملان يهدفان إلى المحافظة على الصحة وتنميتها والوقاية من الأمراض ومعالجتها وتحديد أنماط السلوك الخطرة وتشخيص و تحديد أسباب الاضطرابات الصحية وتحسين أنظمة التأمين والرعاية الصحية وتقديم وسائل الدعم النفسي والإرشاد والتوجيه والعلاج من أجل تحسين نوعية الحياة. ومن هنا فعلم الصحة النفسية وعلم نفس الصحة يسهمان في إمداد العاملين والمعنيين في مجال التربية عموماً والتربية السكانية خصوصاً بالمعلومات اللازمة والضرورية حول مدى توزع وانتشار الأمراض والاضطرابات النفسية والنفسية الجسمية ومدى انتشار الإعاقات والأمراض الوراثية والأمراض الناجمة عن البيئة التي تعيق نمو وتطور الإنسان النفسي والاجتماعي والبيولوجي كما وتمدهم بالمعلومات اللازمة حول مدى انتشار المشكلات النفسية والاجتماعية وبالمعلومات الصحية الضرورية حول السلوك الصحي السليم وبكيفية خلق وتدعيم الدوافع من أجل تحقيق التوازن التكيفي اجتماعياً ونفسياً وبيولوجياً. وحين نتحدث عن السكان والتربية السكانية نجد أن المعنيين من معدي البرامج التربوية والإعلامية يحرصون دائماً على عدم ذكر العلاقات الجنسية . ويتم الحديث عن الزواج والطلاق واختيار الشريك والمشكلات الزواجية والزوجية وتنظيم الأسرة دون الإشارة ولو بكلمة واحدة إلى الجنس لاعتقادهم بأن ذلك يتنافى مع تعاليم الدين أو لخوفهم وخجلهم من التعرض لهذا الموضوع. إن هذا السلوك مهما كانت الجهة التي تقوم به ليس إلاّ تعبير عن عدم الحس بالمسؤولية ، إذ أنه بذلك يترك الناس للجهل ويتم هدر طاقاتهم وإمكاناتهم ،وفريسة للمعلومات الخاطئة التي يمكن الحصول عليها من مصادر متعددة.

وإدخال التربية الجنسية في جميع مراحل التعليم وبرامج التوعية والتثقيف لا يعتبر ضرورة اجتماعية ونفسية فحسب وإنما يعتبر ضرورة بيئية وصحية كذلك بعد أن أصبح الانفجار السكاني مشكلة العصر والأمراض الناجمة عن الجهل الجنسي طاعوناً يهدد السكان ويهدد الموارد ويجعل حتى أغنى الدول عاجزة اقتصاديا أمام النهوض بأعباء العلاج.

ومعالجتنا للمشكلة عن طريق التجاهل والتصرف كما لو أن المشكلة غير موجودة وقمعها في زمن المتغيرات السريعة سواء كان ذلك باسم الدين - والذي لا أساس له في الدين أصلاً - أم عن طريق الأعراف والعادات والتقاليد أم عن طريق تلقين الجيل قوالب جامدة وتصورات هوامية غير واقعية وشعارات فارغة حول الحياة لم تقد حتى الآن إلى حل بل إلى تفاقم للمشكلة وعلينا بحث البدائل المتمثلة في تمكين الشباب من التزود بالمعارف والمواقف والمهارات اللازمة من أجل إدارة حياة صحية و نفسية سليمة في عصر الوفرة المعلوماتية التي أتاحها لنا التقدم الإنساني كالإنترنيت و الفضائيات .

إننا نرى أن الإشكالية التربوية تكمن الكيفية التي يجب أن نعالج فيها هذه المشكلة وأن نساعد الأطفال واليافعين في هذا المجال. وهنا لابد من تحديد استراتيجية قصيرة وبعيدة المدى بنفس الوقت تتعلق بالتربية السكانية الجنسية.

ومن أهداف هذه التربية السكانية الجنسية التوعية الجنسية التي تسعى إلى بناء اتجاهات سليمة لدى الناشئة نحو الجنس والأمور الجنسية ضمن شروط المجتمع الذي يعيشون فيه . وتلك ليست بإشكالية سهلة في كل الأحوال.


وتتميز الجنسية بالنسبة للإنسان بمظاهر مختلفة تميزه عن بقية المخلوقات لابد من أخذها دائماً بعين الاعتبار بشكل تفاعلي عند وضع وتخطيط برامج التربية الجنسية لأن الاقتصار على جانب واحد وتجاهل الجوانب الأخرى يمكن أن يقود إلى عواقب تربوية ونفسية سلبية:

1- مظهراً بيولوجياً، كشرط لإعادة الإنتاج ( للتوالد )

2- مظهراً ذاتياً كخبرة إنسانية

3- مظهراً تفاعلياً من خلال التواصل التشاركي.

ومن خلال المظهرين الأخيرين يتميز السلوك الجنسي الإنساني عن الحيواني بصورة جوهرية فالتوجيه الغريزي للدافع الجنسي عند الإنسان منخفض جداً وغير مرتبط بفترة زمنية محددة والحاجة للتكاثر منفصلة عند الإنسان عن الحاجة للإشباع الجنسي.

والتكيف مع المحيط ونمط السلوك الجنسي وطبيعته تتحدد بصورة جوهرية من خلال عمليات التعلم التي تتأثر بدرجة كبيرة بالبنية الاجتماعية السائدة.

الجنسية والصحة

لقد أصبح من المؤكد اليوم أكثر مما مضى أن المشكلات في مجال الجنسية الإنسانية هي ذات تأثير كبير الأهمية على صحة الفرد الجسدية والنفسية وعلى شعوره بالرضا والسعادة وأن هناك روابط شديدة بين الجهل الجنسي والتصورات الخاطئة حول الجنس وبين المشكلات والاضطرابات الصحية المختلفة.

وقد اهتمت منظمة الصحة العالمية بهذه العلاقات ووضعت تعريفاً للصحة الجنسية حددته كما يلي:

الصحة الجنسية هي تكامل الوجوه الجسدية والعاطفية والفكرية والصحية للهناء الجنسي، الذي تثرى وتنمو من خلاله الشخصية والعلاقات بالناس الآخرين والقدرة على الحب عند الفرد بالمعنى الإيجابي.

ويحتوي هذا التصور على ثلاثة عناصر أساسية :

1) القدرة على السلوك التكاثري والجنسي وفقاً للمعايير الدينية و الاجتماعية والأخلاقية والشخصية السائدة في كل مجتمع.

2) التخلص من القلق والخجل والذنب والتصورات الخاطئة والعوامل النفسية الأخرى التي تكف الحياة الجنسية وتلحق الضرر بالعلاقات الجنسية.

3) الخلو من الاضطرابات والأمراض والعيوب الجسدية التي تلحق الضرر بالوظائف الجنسية والتكاثرية.



ويرتبط تحقيق هذا التصور بشرط محدد مثل توفر إيصال المعلومات الأساسية حول الوجوه البيولوجية والنفسية وحول النمو الجنسي والتكاثر الإنساني وتنوع السلوك الجنسي واضطراب الوظائف والأمراض الجنسية. عدا عن ذلك يجب أن يبدي المعلم والطبيب والمتخصص النفسي تجاه الشكاوى المتعلقة بالأسئلة والمسائل الجنسية تفهماً وموضوعية وأن يكون بالإضافة إلى ذلك مستعداً للحديث حول المشكلة الجنسية وتقديم المعلومات العلمية والإرشاد والتوجيه والنصح ومعالجة الاضطرابات الجنسية في حالة الضرورة أو إحالتها إلى متخصص.

التوعية والتربية الجنسية

تهدف التربية باعتبارها وظيفة اجتماعية إلى أن ينمي أفراد هذا المجتمع أو أعضاء هذه المجموعة داخل هذا المجتمع أنماط السلوك التي تتناسب مع ذلك المجتمع أو تلك المجموعة أو الفئة الحاكمة المسيطرة. وكون التربية عملية اجتماعية فإن ذلك يحمل الأسرة والمدرسة المهمة الرئيسية في صياغة التربية . وتقوم المدرسة في مجرى النمو بعملية تمايز مهمات التربية كالتربية المعرفية والجسمية والجمالية.

ويعد التأهيل والتربية الجنسية جزءاً من الإعداد للحياة والحياة التشاركية والزواج والأسرة. ومن هنا فإن التربية الجنسية يجب أن تهدف إلى :

1- تمكين الفرد من بناء علاقاته الزوجية والأسرية بحيث تتم هذه التربية بشكل ينمي الشخصية والتشارك. وتتعلق أهداف هذه التربية بالعلاقات الاجتماعية وبالمعايير الاجتماعية التي تقوم عليها هذه العلاقات بالنظر للروابط البين إنسانية وتوزع الأدوار.

2- تمكين الفرد من تنمية علاقاته بالجنس الآخر وأن يجد في هذه العلاقات تنمية ذات مغزى لحياته وحياة شريكه .

3- ينبغي لأهداف التربية الجنسية تقديم المعرفة اللازمة حول جنسية الفرد الذاتية وحول خصائص الجنس الآخر وحول المشكلات الخاصة بالعلاقات الجنسية وكذلك تقديم المعرفة حول ديناميكية الحياة الزوجية والأسرية . وتعتبر هذه المعارف الشروط الأساسية للبناء الموفق والواعي للحياة الزواجية و الزوجية والأسرية.

4- وأخيراً تمكين الناشئة باعتبارها أسرة في المستقبل تحضير أطفالهم من خلال سلوكهم المثالي الذاتي والتربية الجيدة العامة والخاصة من كيفية التعامل مع الجنس الآخر.



بالإضافة إلى ذلك لابد للتربية الجنسية من الانطلاق من :

n موضوع التساوي بين الجنسين في مجال العلاقات الزوجية والجنسية كأمر أساسي وحتمي من أجل إدارة حياة زوجية وزواجية وأسرية موفقة ولنا في سلوك وأحاديث الرسول العربي صلى الله عليه وسلم قدوة تربوية في هذا المجال فالسيرة النبوية غنية بكثير من المواقف التي كان يقدم فيها النبي e المثل الأعلى من خلال سلوكه الشخصي ومن خلال حث الناس على التمثل والإقتداء به.

n أن الزواج وفق ما أقرته الشرائع السماوية هو الشكل الأكمل فيما يتعلق بالنمو والتطور الاجتماعي الراهن والمستقبلي ، إذ أنه الشكل الأمثل الذي يضمن مصالح الأزواج والأطفال والمجتمع. ومن هنا يجب إدراك الإخلاص الزواجي كقيمة أساسية من قيم الحياة الزوجية.

n أن تتصف العلاقات الزوجية بالاعتراف والمسؤولية تجاه الآخر .

n أن العلاقات الجنسية الزوجية تتضمن في العادة علاقة جنسية حميمة تهدف إلى تحقيق السعادة والراحة للطرفين.

n أن مسؤولية الجيل الأكبر أمام الناشئة تتمثل كذلك في التحضير والإعداد لمواجهة مشكلات الحياة الزوجية والزواجية والأسرية وذلك من خلال تقديم المساعدة الكافية من خلال التأهيل والتوعية والتأهيل التربوي.



ويمكن اعتبار هذه المقولات قيم توجه عامة، إلاّ أنها تمتلك في الوقت نفسه وظيفة مساعدة في التوجه والقرار بالنسبة للتربية الذاتية للناشئ.

وعادة ما يستند المربون في تأثيرهم إلى التوجهات والنصائح والأوامر التي يقدمها الدين حول تنظيم العلاقات الجنسية والزوجية باعتبارها إطار توجه أخلاقي للمجتمع تمتلك قيمة مركزية في حياة الناس. وهم في هذا المجال لا غنى لهم عن الفقهاء ورجال الدين والأطباء وعلماء النفس وأصحاب القرار السياسي لتحديد الشكل الأمثل على المستوى الروحي والمادي من أجل إدارة حياة إنسانية يتم فيها تحقيق الصحة النفسية والجسدية والجنسية.



وأثناء توجيه الشباب يمكن أن تبرز المشكلتين التاليتين:

n تقديم المساعدة للناشئة فيما يتعلق بأشكال النشاطات الجنسية الضارة وبناء مواقف واتجاهات واعية ومسؤولة من مسألة الجنس

n تحديد مجالات محتوى التربية الجنسية العامة التي يجب تحقيقها في إطار المدرسة من خلال إسهام الجهات التربوية المختلفة. وهنا يتعلق الأمر بمجالات المعرفة والاتجاهات وتنمية الكفاءات و إتاحة الفرصة للناشئة للنقاش الواعي للظواهر الجنسية والأخلاق والمعايير الجنسية المختلفة.


مسؤولو التأهيل الجنسي والتربية

تحتل الأسرة والمدرسة أهمية خاصة في تشكيل السلوك والخبرة الجنسية والزوجية والزواجية. ومن خلال إكساب المعلومات والمعارف ونقل القيم و تقديم القدوة في البيت من خلال سلوك الاحترام المتبادل بين الأب والأم واحترام الحياة الزوجية من خلال احترام حقوق الآخر ومساواته فإنها تسهم في بناء المواقف وأنماط السلوك التي تحدد سلوك الأبناء في حياتهم الزوجية و الأسرية.كما وتمارس الجهات التربوية الأخرى تأثيراً على الأطفال والناشئة والراشدين حسب العوامل التالية:



المعايـــــــــير الاجتــماعية
مجموعةا لأصدقاء المساجد النوادي المدرسة الأب الأم
الزوج أو الصديق أو الأدب السينما التلفزيون
الزوجة الصديقة

إن النمو الخلقي للشخصية يتحدد من خلال الكيفية التي يتطابق فيها الضمير مع معايير القيم الخارجية ومن خلال الكيفية التي يبني فيها الفرد في المجال الاجتماعي اتصالاته وعلاقاته بالآخرين. وتطلق على هذه العملية من امتلاك القيم الاجتماعية تسمية التمثل . وما زال هذا المجال غير مبحوث بصورة كافية فيما يتعلق بالمجال الجنسي. ويعتبر تحليل التمثل أحد أهم وظائف علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي . ويمكن لمثل هذا التحليل أن يقدم الشروط من أجل دفع الجيل الناشئ إلى تمثل المعايير الأخلاقية وتمكينهم من المساهمة في تطوير وتنمية المعايير.

ومما لاشك فيه أن معرفة المعيار وحده لا تكفي من أجل بناء دوافع أو تنظيمات للسلوك. فإلى جانب المعارف يتطلب الأمر تقبل هذه المعايير بالنسبة للشخصية الخاصة والاستعداد لتحقيقها والقدرة على إمكانية تحقيقها أيضاً. وعلى الناشئ أن يصل إلى مرحلة التحرر التدريجي من التأثيرات الخارجية وأن يتمكن من القيام بعملية التربية الذاتية وأن يخضع بحرية ووعي للقيم الاجتماعية. وهنا علينا ألا ننسى أنه غالباً ما تصل المعلومات للناشئة بصورة متأخرة جداً وأن الكثير من المواضيع مازال الحديث حولها محرماً - بدون أي مبرر ديني أو علمي - مثل بدء العادة الشهرية والاحتلام وتنظيم الحمل والوقاية الصحية الجنسية …الخ.

ومن هنا فإن التربية السكانية الجنسية لابد وأن تراعي في التأهيل الجنسي النقاط التالية:

1- أن تتم التربية الجنسية بشكل يتناسب مع المرحلة العمرية أو النمو

2- عدم تجاهل التطرق لبعض الموضوعات في الوقت المناسب كالتحضير للطمث الأول…الخ.

3- استغلال إمكانات المواد التعليمية المختلفة لتقديم المعلومات المناسبة وعدم الاقتصار على مواد البيولوجيا.

4- التربية الجنسية ( بالمعنى الواسع ) المنهجية والمستمرة منذ الصف الأول الابتدائي وحتى المراحل الجامعية.

5- تقديم المعلومات الصحيحة بصورة مكثفة في سنوات المراهقة

6- التعرض للمشكلات التي يواجهها التلاميذ والمراهقين في إطار الإرشاد النفسي والإرشاد الطبي الصحي …الخ.

وتلعب الأسرة هنا دوراً مهماً وخصوصاً في تشكيل وبناء الأدوار الجنسية وفي تقديم الإجابات الأولية عن المسائل الأساسية عند الأطفال التي تشغل بالهم في مجرى النمو علماً أن هناك فروقاً فردية فيما يتعلق بالسن الذي تنشأ فيه هذه الأسئلة . ومن الأمثلة على ذلك:

1- سؤال كيف يأتي البنات والصبيان؟

هنا يكتسب الطفل معلومات حول خصائص جسده وفرادة جسده وجسد الآخرين من الجنس الآخر . وتبدأ عملية جمع المعلومات هذه مع الإدراك الأول لوظائف الجسد وتستمر منذ الطفولة حتى سن الشباب . ويهتم الطفل في البداية بأجساد الآخرين من الأطفال غير أنه بعد ذلك يهتم بخصائص جسد الكبار.

2- سؤال من أين يأتي الأطفال الصغار؟

وتشغل هذه المسألة الأطفال بدءاً من السنة الثالثة تقريباً. ولكن فيما إذا كان الطفل سيوجه هذا السؤال للمربي فإن ذلك يتعلق بظروف التربية . غير أنه يمكن الافتراض أن هذه المسألة تشغل ذهن كل طفل وليس من النادر أن يثار هذا السؤال من خلال ولادة طفل جديد في محيط الطفل.





3- سؤال كيف يخرج الأطفال؟

ويكون هذا السؤال ملحقاً بالسؤال السابق ومتعلقاً بالمعلومات المقدمة من خلاله. ويغلب أن ينشغل الأطفال بهذه المسألة في سن السادسة. وعند الإيضاح الخاطئ وغير الواضح أو عند عدم وجود الإجابة إطلاقاً حول مصدر الأطفال فإن الأطفال غالباً ما يطورون نظرياتهم الخاصة حول الولادة.

4- سؤال كيف يتكون الأطفال؟ ما هو دور الأب في ذلك ؟

ويقع هذا السؤال ضمن إطار مشكلة التكاثر وينشغل الأطفال غالباً منذ السنة العاشرة . وفي مجرى التعليم يحصل الطفل على المعلومات الأساسية التي تتعمق وتتوسع وتتمايز في السنوات اللاحقة.

وليس من الضروري أن يلجأ الطفل إلى مربيه في هذه الأسئلة كما وأن " عدم طرح الطفل لهذه الأسئلة " لا يعني أن الطفل لا يفكر بهذه المشكلة فهو يحصل على المعلومات من مصادر أخرى . ونجاح هذه التأثيرات يرتبط بشكل أساسي بالمثال أو القدوة التي يقتدي بها الطفل أو اليافع وهي في هذه الحال هنا الوالدين. فهم من خلال سلوكهم وتعاملهم مع بعضهم وأسلوبهم في توزيع الأدوار الجنسية وموقفهم من المسائل الجنسية يقدمون النموذج الأول لأولادهم .



التربية الجنسية في المدرسة


تلعب المدرسة دوراً مهماً في إيصال المعلومات والمعارف الجنسية بصورة موضوعية وعلمية للتلاميذ من خلال المواد التعليمية المختلفة كمواد القراءة والعلوم والدين …الخ.

إلاّ أن المعلم نفسه قد يواجه صعوبات كثيرة عند التعرض لموضوع التربية الجنسية . فالمعلم جزء من المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي فهو حامل وممثل لعادات وتقاليد المجتمع السلبية منها والإيجابية. وهنا تعتبر مسألة " تربية المربي " المشكلة المركزية والمشكلة المفتاح في موضوع التربية الجنسية والتأهيل الجنسي. ولا يكفي هنا أن يقوم المعلم بتقديم المعارف البيولوجية الأساسية فقط ، وإنما لا بد من التدريب على الاستخدامات اللغوية في موضوع الجنسية أي باستخدام المصطلح البسيط والمناسب بما يتناسب مع الموضوع والمرحلة العمرية بالإضافة إلى وجوب التمرن على الكيفية التي يجب فيها إيضاح وشرح المشكلات الجنسية في إطار الدرس بهدف رفع الثقة الذاتية عند المعلمين. وهنا يلعب الأطباء والمتخصصون النفسيون المؤهلين في علم الجنس دوراً أساسياً في تقديم المعارف العلمية وفي إطار عملية التدريب والتأهيل المستمر للمعلمين. إن إدخال موضوعات التربية الجنسية ضمن المنهاج وحده غير كاف وحده بل يجب تدريب المعلمين حول كيفية التغلب على خجلهم الخاص والتغلب على إحجامهم عن التطرق لمثل تلك المواضيع. فعلى الرغم من تحمس المعلمين في كثير من الأحيان إلاّ أنهم قد لا يعرفون الأسلوب والطريقة التي يجب فيها إيصال المعلومات ويعانون من صعوبات في استخدام التسميات المناسبة. كما وإن إدخال موضوعات التربية الجنسية ضمن المنهاج في المواد المختلفة وتدريسها من قبل المعلم والمعلمة يقلل من الهالة والخصوصية التي قد توحي بأن الموضوع يمتلكها عندما يتم تقديم المادة كموضوع خارج إطار الدرس الصفي أو عندما يقوم متخصص بإجراء ندوة مثلاً حول هذا الموضوع إلاّ إذا كان الأمر يتعلق بمسائل خاصة ضمن الموضوع العام كما سنشير لاحقاً.



إن الكثير من الشباب يعتقدون أنهم يعرفون الكثير عن الأمور والمشكلات الجنسية ولكن الاختبار الدقيق يظهر أن المعرفة التي يمتلكونها ناقصة جداً ومشوهة. فمثلاً تشير بعض الدراسات إلى أن كثير من الشباب من الجنسين يجهلون آليات الحمل وكثير من النساء يجهلن المخاطر الكبيرة للإجهاض. وحتى عندما تتوفر بعض المعلومات الصحيحة فإنها يغلب ألا تستخدم في السلوك الشخصي . وهنا توجد ثغرات معرفية يمكن سدها بطرق متنوعة من خلال المدرسة والمعلم ومن خلال الكتب والمنشورات والمقالات والمحاضرات والقانون والشرع.



الطبيب والمتخصص النفسي ودورهما في التربية الجنسية



تعتبر التربية الجنسية من المهمات الأساسية للمعلم الذي عليه أن يواجهها وألا يلقيها على عاتق غيره مهما كان السبب. ولكن حين يتعلق الأمر ببعض المسائل التخصصية الطبية منها والنفسية المتعلقة بموضوعات جنسية فإنه يمكن الاستعانة بمتخصصين بهدف عرض المشكلات المتعلقة بمجال اختصاصهم في مجال التربية الجنسية والزوجية.

ويمكن لعمل الطبيب المتخصص والمتخصص النفسي أن يكمل ويواصل عمل المعلم من خلال التعميق التفريقي للمعارف وإيضاح أهمية الموضوع . ويستطيع كل من الطبيب والمتخصص ( المرشد ، المعالج ) على أساس من " دورهما المهني " ومن موقف الناس منهما المرتبط بالدور المهني أن يعالجا أغلب المواضيع الجنسية بشكل حيادي وأحياناً بشكل أعمق تأثيراً مما يستطيعه المعلم الذي يمكن أن يخجل منه التلاميذ في عرض أسئلة معينة بسبب خصوصيته كمعلم. وسبب كون الطبيب والمتخصص النفسي يلعبان دوراً كبيراً هو أن اليافعين غالباً ما يمتلكون تجاه أهلهم ومعلميهم ظاهرة ما يسمى " الكف " ، أي تجنب الحديث حول أمور معينة تمس الحياة والمشكلات الخاصة بما فيها المسائل الجنسية في إطار الأسرة أو العلاقات الاجتماعية أو مع المعلم. في حين أنه يتم التطرق لهذه المشكلات مع شخص غريب بمجرد توفر ظاهرة الثقة الكاملة. وهذه يمكن أن يوفرها الطبيب أو المتخصص النفسي وبالتالي فهما يمتلكان شروطاً أفضل في التعرض لمثل هذه المعلومات. وهذا الموقع الموضوعي والحيادي لهما يتطلب منهما الالتزام الذاتي والمراعاة الكافية للمسؤولية التربوية التي يحملونها.

ومن المؤكد أنه سوف يتعرض هؤلاء لمشكلات معقدة ومتنوعة وعليهم حل هذه المشكلات بشكل لا يعرض سلامة الناشئة للخطر . ومن هنا يجب أن يكونوا على إلمام ودراية كافية بالتوجهات الدينية و الأخلاقية للمجتمع . فعدم الإلمام بهذه التوجهات يمكن أن يقود إلى سوء فهم لكثير من القضايا. فتنظيم النسل يمكن أن يفهم على أنه دعوة للإجهاض وتشجيع عليه أو يمكن للمعلومات العلمية حول سن النضج الجنسي أن تفهم كمطلب من أجل الممارسة الجنسية أو لتعويض السنوات الفائتة، أو أن تفهم عدم خطورة ممار سة العادة السرية على أنها دعوة لليافعين لممارستها دون حدود.

أما الوسائل التي يمكن من خلالها التعرض للمشكلات الجنسية فهي متنوعة وتتراوح بين الإرشاد والتوجيه الفردي والتنظيم الدوري لساعات الاستشارة والجلسات الإرشادية الشبابية والإرشادية الجنسية والإرشادية الزوجية والزواجية. ومن الطبيعي هنا أن يتولى طبيب النسائية والأمراض البولية والتناسلية مهمات أساسية في التربية الجنسية للسكان وذلك من خلال عمله المباشر في إطار المراجعات الدورية للنساء سواء في إطار الأمراض النسائية أو في إطار الإشراف على الحمل أو في إطار الفحوصات الوقائية.



بعض مبادئ العمل التربوي الجنسي

سنتعرض فيما يلي لبعض مبادئ العمل التربوي الجنسي من منظور علم النفس. وهي مبادئ عامة تساعد المعنيين بدءاً من الأسرة وانتهاء بالمعلم والطبيب والمشرف النفسي كإطار توجه، ومراعاتها تعتبر ذات أهمية في نجاح العمل التربوي الجنسي.

1) مبدأ حتمية النمو:

لابد من تنظيم كل التأثيرات بشكل يتناسب مع مجرى النمو. وهذا يشترط توفر المعرفة حول المجرى العام للنمو والخواص الفردية للمربي في الوقت نفسه. على المرء دائماً أن يخبر الطفل بالمقدار الذي يسأل عنه أو بالمقدار الذي يستطيع فهمه. كما وأن التعاليم لابد من أن يتم تلقينها بصورة متناسبة مع السن. وعلى البرامج التعليمية مراعاة هذا المبدأ وتبدأ بعرض الإجابات على المسائل المتعلقة بالجنس من الصف الأول الابتدائي.

2) مبدأ الثقة :

تعتبر الثقة أساس كل تأثير جنسي تربوي. والثقة بالطفل والناشئ لابد أن تكون موجودة منذ البدء فهي تشكل أساس ثقة التلميذ بالمربي. وبناء الثقة يشترط وجود تواصل جيد بين المعلم والتلميذ. كما ويشترط وجود الثقة وبناءها معرفة المربي بخصائص الطفل و الناشئ . وهذه المعرفة تمكنه من التعامل بصورة ملائمة على أساس الخصائص الفردية الملائمة. على المربي أن يظهر أن مشكلات وأسئلة الناشئين معروفة لديه وليست غريبة وأنه من خلال هذه المعرفة يستطيع تفهم الناشئة. وبهذا يكون المربي قد حقق لنفسه نقطة انطلاق أفضل مما لو أظهر الانطباع بأنه يقف (( فوق كل اعتبار )) ممثلاً لما يجب أن يكون.

على المربي أن يبدي التفهم عند تقييم صداقات اليافعين والتعامل بجدية مع اليافع وعدم الضحك حول الأسئلة التي يطرحها أو السخرية منه. إن مشكلات اليافع هي مشكلات حياتية وعلينا ألاّ ننسى أننا قد عانينا من مشكلات شبيهة في مراهقتنا.

3) مبدأ الإعداد الفعال والتحصين:

إنه لمن الخطأ الاعتقاد بأن جهد التربية لابد وأن يقتصر على أن يقال شياً ما عندما يسأل الطفل. ففي المجالات جميعها يقوم الكبار بنقل المعرفة للأطفال والناشئة، إلاّ أن هذا غالباً ما لا يحدث في مجال المعارف الجنسية، مع العلم أن الأمر مهم جداً في مجال التربية الجنسية بالتحديد. إذ أن تقديم المعارف يرتبط في الوقت نفسه مع تشكل المواقف. ومن المهم هنا استغلال الوظيفة التربوية التي يملكها (( الانطباع الأول )). فمن المعروف أن الخبرات والمعلومات الأولى ترسخ بشكل شديد الثبات في الذاكرة. فإذا ما تمكن المربي من التوضيح للطفل في الوقت المناسب وتمكن في الوقت نفسه من فهم الطفل وقام بإجراء بناء للمواقف و بناء الشخصية فإن الطفل سوف يتحصن بدرجة كبيرة تجاه التأثيرات السلبية.

4) مبدأ الصدق والوضوح:

من المبادئ الأساسية لكل مربي أن يكون صادقاً وواضحاً في التعبير عن نفسه. ومن الغريب أن يلاحظ الكثير من التردد عندما يتم تطبيق هذا المبدأ في التربية الجنسية . فمن خلال الصمت والتعتيم أو التجنب أو عدم الوضوح يضفي المرء على هذه المشكلة جذباً غير عادي يؤدي إلى إثارة الفضول. فإذا ما كذب المرء على الطفل أو أخفى عنه شيئاً فإن المربي سرعان ما سيفقد مصداقيته. فمن خلال الحقيقة وحدها يصل المرء إلى الهدف ويحقق شروطاً مناسبة من أجل التربية الجنسية اللاحقة.

ولكن هنا يجب عدم الخلط بين الصدق والوضوح وبين الرزانة أو بين الصدق والوضوح وبين التفسيرات البيولوجية الأحادية الجانب.

5) مبدأ الاستمرارية والتكرار:

لا يكفي القيام بحملات توعية في أوقات متباعدة بل لابد من القيام بذلك باستمرار وأن تكون الحملات مترابطة مع بعضها من حيث المحتوى ، أما التكرار فهو ضروري ، ذلك أن الطفل غالباً ما ينسى جزئياً محتوى التعاليم الباكرة. والتعاليم الصحيحة قد تتداخل مع تعاليم خاطئة إذا ما لم يعتمد على مبدأ التكرار.

6) مبدأ الموضوعية والتطبيع:

ينبغي للتأثير التربوي الجنسي أن يتم في إطار الأشكال المألوفة في الدرس وألا تخصص جلسات وأشكال خاصة من التنظيم الدرسي. فاختيار الأشكال الخاصة من التأثير كاف وحده ليمنح الموضوع جاذبية غير مرغوبة. ومن خلال استخدام الطريقة المألوفة في تنظيم الدرس العام والتأثير على الصف ككل يتم تحقيق الموضوعية لمحيط الموضوع ككل. وبذلك يتم تجنب الاعتراضات والإرهاقات والتثبيتات . وينبغي أن يوضح المحتوى وطريقة العرض بأن الأمر يتعلق في موضوع الجنسية بمظهر طبيعي من مظاهر الحياة الإنسانية.

7) مبدأ الترسيخ الجماعي والصياغة الجماعية

يجب تحقيق هذا المبدأ بطرق متنوعة. فمن جهة ينبغي لكل تأثير اجتماعي أن يوضح التشابك الاجتماعي وأن يبرز القواعد والمعايير الاجتماعية على أنها قواعد ومعايير ملزمة للجميع، ومن ناحية أخرى يجب على اليافع إدراك أن المجموعة التي ينتمي إليها هي جزء من المجتمع. ويعتبر هذا الإدراك جوهرياً في مرحلة المراهقة بالتحديد ذلك أن الناشئ يكون متعلقاً بمعايير المجموعة التي ينتمي إليها وخصوصاً عند وجود قيم ومعايير تختلف عن قيم ومعايير مجموعته. وسعي اليافع إلى الحصول على الاعتبار ضمن مجموعته يعمل على كف النقد الذاتي لسلوكه الخاص. ويحقق الدرس المشترك حول المشكلات الجنسية ضمن مجموعة الصف دفعاً إيجابياً إضافياً ويسهل الاستقبال الموضوعي حيث يتم من خلال ذلك منع أو إعاقة شعور الفرد بأنه معني مباشرة. ويعتبر الحديث ضمن المجموعة بالنسبة لكثير من التلاميذ خبرة مهمة.

7) مبدأ إيقاظ المسؤولية الذاتية:

لابد من جعل الشباب مدركين أن مجرى وبناء العلاقات بالجنس الآخر يتعلق بالفرد وحده، إلا أن المسؤولية لا يمكن أن تثمر إلاّ عند ذلك الذي يعرف بصورة وافية كافة الحقائق وأهميتها. كما ويجب إيقاظ المسؤولية تجاه الشريك الآخر في كل علاقة.

8) مبدأ الوحدة بين توفير الحقائق ونقل القيم:

ينبغي لكل توفير وإيصال للحقائق أن يترافق مع نقل للمعايير والقيم باعتبارها نقاط توجه للسلوك المستقبلي . ومراعاتها تعطي الشاب الاتجاه نحو ذلك السلوك الذي يشجع نموه الخاص وهنا يتحمل المربون مسؤولية جوهرية.

9) مبدأ التثقيف ( التهذيب )

ينبغي للشاب إدراك أن تهذيب علاقاته الشخصية يعد من المطالب الأساسية. إن التربية المبكرة من هذا النوع هي وحدها التي تستطيع تحصين الشباب والراشدين تجاه المجلات والأفلام وأنماط الحديث والأغاني الفاحشة.

وعلى الرغم من أن صياغة هذه المبادئ قد وضعت في صيغة جمل وجوب إلاّ أنه من السهل اشتقاق مبادئ سلوكية ملموسة وفق طبيعة المعايير الاجتماعية والأهداف التربوية السائدة. كما ويمكن إكمال هذه الأهداف بمجموعات أخرى من الأهداف الأساسية والثانوية سواء.

May 23, 2012

النساء والتجاوزات الجنسية

<>

<>
<>
<>
الكاتب: د. سداد جواد التميمي

البلد: العراق
في جميع الحضارات هناك أسئلة يتكرر طرحها بين الحين والآخر ولكن الإجابة عليها تتميز بصيغة واحدة وهي اختلاف الجواب، ويجب علينا القبول بأن ليس هناك حرج في عدم اتفاق الآراء. على العكس من ذلك إن الاختلاف في الرأي هو السبب الأول والأخير في تحفيز المجتمع لمناقشة مشاكله الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية ودفع الإنسان إلى اعتماد العقل والمنطق لوضع الخطوط العريضة لقيمه الإنسانية بدلاً من الرجوع فقط إلى التوصية والموعظة الدينية. من هذا المنطلق سأتطرق بإيجاز إلى مسألة التجاوزات الجنسية بين الرجال والنساء اجتماعيا.

هناك العديد من المصطلحات التي يستعملها البشر عند التطرق إلى التجاوزات بين الجنسين أو حتى بين أفراد من الجنس الواحد وربما يمكن جمعها تحت مظلة واحدة وهي التجاوزات الجنسية. هذه المشكلة الاجتماعية يمكن تعريفها بمرض اجتماعي وعلاجه هو مسؤولية العديد من مؤسسات الدولة والمجتمع. كذلك يجب التأكيد على أن التجاوزات الجنسية شائعة في جميع أنحاء العالم، لكن الحقيقة المؤلمة أنها أكثر شيوعاً في العالم العربي الإسلامي وأكثر مرارة من ذلك ومن أبشع ما يسمع الإنسان هو إلقاء المسؤولية من بعض السفهاء على ضحايا التحرش الجنسي بدلاً من الجناة.

ليس النساء وحدهن عرضة لهذا الاعتداء وإنما يد الجناة تتمدد إلى الذكور والأطفال أحياناً. من جراء هذا الفعل هناك وجهة نظر عامة حول الرجال في العالم العربي تكاد تكون سلبية من جراء تكرار عملية التجاوزات الجنسية، وهي أن الرجال العرب غاية سلوكهم اجتماعياً هي الجنس فقط. هذا المعتقد خالٍ من الصحة والغالبية العظمى منهم لهم مشاعر عاطفية وإنسانية نبيلة لا تختلف في إطارها ومحتواها عن الرجال في العالم الغربي، ولكن ذلك لا ينفي أن هناك مشكلة لا بد من التطرق إليها.

هذا المقال معنِي فقط بالتجاوزات الجنسية للرجال نحو النساء، فهي أكثر التجاوزات شيوعاً. لست هنا بصدد مراجعة الأحكام والشرائع الدينية أو انتقادها فهذه خارج اختصاصي، ولكن هذا الأمر لابد من مناقشته في مجال الصحة النفسية. ما دفعني إلى إلقاء نظرة وإبداء رأي هو رسالة من إحدى الأخوات إلى الموقع حول تعرضها إلى التجاوزات الجنسية من سائق سيارة أجرة ومعلم في الحرم المدرسي وتساءلت كيف أن الحجاب لم يمنع الآخرين من التعرض لها.

مشكلة المصطلحات:
هناك ثلاث مصطلحات يتم تداولها في هذا المجال وهي:
1- سوء المعاملة الجنسي Sexual Abuse.
2- التحرش الجنسي Sexual Harassment .
3- الاعتداء الجنسي Sexual Assault .

المصطلح الأول شائع الاستعمال في العالم الغربي على المستوى الاجتماعي والإعلامي غير أن هذا المصطلح لا يعرف الفعل بصورة دقيقة. إن البعد اللغوي والنفسي لكلمة سوء المعاملة يحتوي على رأي ذاتي وربما يكاد يكون خالياً من الموضوعية، وخاصة عند استرجاع البعض لذكريات والحديث عن لمس الأم أو الأب لمناطق معينة من جسد الطفل. هذا الأمر شائع ويحدث أحياناً عند خضوع بعض الأفراد للعلاج النفسي وسعيهم للبحث عن تفسير لحالتهم النفسية وانهيارهم المعنوي.

أما مصطلح التحرش الجنسي Sexual harassment فهو شائع الاستعمال في العالم العربي غير أنه ملئ بالتناقضات عند التطرق إلى التعامل القانوني والمهني والاجتماعي. يضاف إلى ذلك أن هذه الكلمة تشير إلى إلقاء بعض المسؤولية على ضحايا التجاوزات الجنسية وخاصة في مجال زينة المرأة وملبسها. يكثر استعمال المصطلح الأخير في مجالات العمل ويمكن التحري عنه عبر لوائح مهنية والتحقيق فيه قد يتم داخلياً أو من قبل لجنة حيادية خارجية. أما استعمال هذا المصطلح لوصف تجاوزات الرجال على النساء من مختلف الأعمار وفي شتى المجالات إن كان ذلك في الشارع أو المدرسة فإن مسألة التناقضات فيه تكون واضحة جداً وربما استعمال المصطلح الثالث وهو الاعتداء الجنسي يكون أكثر دقة.

متى ما استعمل المجتمع هذا المصطلح الأكثر دقة من التحرش فلا تقع المسؤولية إلا على عاتق الجاني وحده، ويتجاوز المجتمع العصاب المزمن الذي يلازمه بشأن طبيعة المرأة ودورها في التجاوزات أو المضايقات الجنسية التي تتعرض لها. أصبحت هذه المضايقات أشبه بالوباء المتفشي في أنحاء العالم العربي ولكن طريقة علاجه تكمن في تناقض واحد وهو وضع الحدود على المرأة بدلاً من الرجل فيما يخص الملبس والزينة. يمر العالم العربي هذه الأيام بثورات تنادي بحقوق بشرية وإنسانية ولابد من إضافة حقوق نسائية تضمن للمرأة حقها المشروع في أن لا تكون هدفاً لنزوات وتهور الرجال ورفع أو بل التحريم بإلقاء اللوم عليها مهما كانت زينتها وملابسها.

لباس المرأة وزينتها:
لا يخلوا التطرق إلى هذا الأمر من حرج لمن يتكلم فيه وإلى من يتم توجيه الحديث له. لكل إنسان الحق في اختيار ملبسه وزينته، ولا جدال في أن هذا الأمر يقع ضمن دائرة الحرية الشخصية . إن اختيار المرأة للباسها وزينتها ربما له أسبابه الروحية والدينية، ولكن أن يحدد المجتمع ويضع الشروط على لباس المرأة اعتماداً على نصوص دينية قابلة للتأويل اعتمادا على استعمال الإنسان لقشرته المخية فهذا بحث آخر.

هناك حقيقة لا تقبل الجدل بأن الحجاب ولباس المرأة يكاد يكون حصراً على المجتمع الإسلامي وخاصة العربي والغلاة من معتنقي الديانة اليهودية. ترى الطائفة الأخيرة تحدد لباس المرأة بصورة تشابه ما تلبسه المرأة في المجتمع العربي والإسلامي وعلى ضوء ذلك يتم تعريفهم بنساء طالبان. أما في العالم الإسلامي فترى الزي الموحد الإيراني تحرص الجهات المختصة على مراقبة النساء وتمسكهن به وكذلك الأمر في المملكة العربية السعودية وبصورة ربما أكثر غلواً من الأولى. أما على صعيد الأقطار الأخرى من العالم العربي الإسلامي، فإن رجال الدين لا يكفون عن الحديث في هذا الأمر، ويحرص الغلاة من الرجال والنساء على فرضه اجتماعياً ودينياً رغم غياب اللوائح القانونية والدستورية.

أحد الخرافات التي يكثر تداولها بأن لباس المرأة وزينتها يجب أن لا تتجاوز عتبة معينة للوقاية من تجاوزات الرجال عليهم. هذه القاعدة اللاأخلاقية كانت سائدة قبل القرن الثامن العشر في الحضارة الغربية ويمكن تلخيصها بأن النساء أكثر شهوانية للجنس. لا يتوقف الرجال عند هذا الحد بل ويصورون المرأة بأنها أقل عقلانية، غير قادرة على إحكام السيطرة على عواطفها وتميل إلى عدم الالتزام. ربما يكون مرجع هذا المعتقد إلى التفسير الخاطئ غير الموضوعي لضعف حواء ودورها في قصة الخليقة والخروج من الجنة.

تغيرت هذه المعتقدات تدريجياً وفي القرن التاسع عشر وأصبح الرأي السائد بأن الرجال هم الأكثر اندفاعاً من ناحية الغريزة الجنسية وهم الأكثر ميلاً لإغراء النساء وأن دور المرأة أكثر سلبية. على ضوء ذلك بدأ المجتمع يضع المرأة في إطار جديد محتواه أنها مخلوق ناعم، رقيق، خالٍ من التهور الجنسي وفي حاجة مستمرة إلى استعمال دفاعاتها ضد ضراوة الرجال الجنسية. لا يزال هذا الرأي سائداً إلى يومنا هذا في جميع أنحاء العالم، وهنا علينا أن نسأل:
ما هو موقع الحجاب والرأي الديني في هذا البعد من دور المرأة في العلاقة مع الرجل بين المعتقدات القديمة والحديثة؟.
ما هو موقع الحجاب بين ما يتصوره الرجال بأن لهم حقوقهم من عدم تحفيز غريزتهم الجنسية من قبل النساء بسبب ملبسهن وزينتهن خوفاً من يمس ذلك بطهارتهم؟.
هل سيمنع الحجاب حقاً التجاوزات الجنسية أم سيضع المرأة في موقف ضعف دائم بأن الشكوى يمكن أن تعرض سمعتها للخطر في مجتمع يسيطر عليه الرجال؟.

يجب على المجتمع الإجابة على هذه الأسئلة دون الرجوع إلى الوصاية الدينية وعليه التفكير ملياً بظروف المجتمع الاقتصادية والثقافية وحقوق المواطنين أنفسهم الإنسانية. فوق كل ذلك هو ضمان وصيانة الحرية الشخصية لكل إنسان.

المستقبل:
أهم من وضع التشريع بعد الآخر على ملبس وزينة المرأة هنالك حاجة ماسة إلى ثقافة جنسية تتناول السلوك الجنسي والهوية الجنسية ويجب كذلك بداية هذا التعليم من عمر مبكر وقبل سن العاشرة. السبب في ذلك أن أطفال اليوم يدخلون مرحلة البلوغ الجسدي Physical Maturity منذ عمر مبكر، ولكن هذا البلوغ لا يصاحبه بلوغ عاطفي Emotional Maturity الذي لا يدق على أبواب الإنسان حتى منتصف سنوات المراهقة.

إن التوعية في هذا الأمر يجب أن تمتد إلى العائلة وضرورة كلامهم الصريح مع الأطفال عن الثقافة الجنسية وتنبيههم إلى ظاهرة الاعتداء الجنسي. الأهم من ذلك كله يجب على الأب والأم مساندة الطفل والوقوف بجانبه دون تردد وشروط مسبقة.
أما على مستوى المجتمع فهناك حاجة ماسة إلى توعية ثقافية من جميع الجهات المدنية والدينية، حكومية كانت أم لا، لمكافحة هذا الوباء. إن لبس الحجاب لم ولن يمنع الجناة من الاعتداء على النساء وقد يضع المرأة في موقع ضعف.

إن مسألة لبس وزينة المرأة لا تخلو من الإشكال ورد فعل الجمهور أحياناً يعكس لنا بأن الجمهور ذاته هو العلة ويحمل جرثومة يرفض القضاء عليها بلقاح متوفر في كل بيت وعقل إنسان.
قال المصطفى صلاة الله عليه وسلم: أوصيكم بالنساء، فإنهن عندكم عوان. ما كان يقصده الرسول الكريم أن النساء عند الرجال أسيرات، وإن نظرنا اليوم حولنا لتأكد لنا صدق حديثه، ولو بُعث في الناس لنادى بفك قيود الأسر.

http://www.maganin.com/content.asp?contentid=19195

May 20, 2012

الوطن أون لاين ::: السعداوي تحصل على "داجيرمان"

الوطن أون لاين ::: السعداوي تحصل على "داجيرمان
الرابطة اختارت نوال السعداوي لارتباطها ومشاركتها بالثورة المصرية التي أدت إلى سقوط حسني مبارك،
"

الوطن أون لاين ::: ضرب زوجته ووالديها.. فعوقب بالسجن 14 يوما

الوطن أون لاين ::: ضرب زوجته ووالديها.. فعوقب بالسجن 14 يوم
وأوضحت المصادر أن المحكمة قضت بسجنه 14 يوماً، عبر احتساب فترة إيقافه في مرجعه وجلده 50 جلدة دفعة واحدة وأخذ التعهد عليه بعدم العودة لمثل ذلك الفعل.
 ا

May 19, 2012

الدوافع… هرم ماسلو

د . حاتم آدم
21 يونيو, 2011
د . حاتم آدم

قام لعالم ماسلو بتقسيم دوافع البشر في صورة هرمية Hierarchy ، قاعدة الهرم تمثل ” الحاجات البيولوجية الأساسية ” ، ثم يتصاعد الموقف إلى أخرى أكثر منها تعقيدًا وإلحاحًا في حالة استيفاء الحاجات الأساسية
والحاجات الموجودة في السطر الواحد من الهرم لابد من من إشباعها جزئيًا قبل الانتقال إلى السطر الأعلى ، وإلا فهي معوّقة ، وتجعل الحاجات الأعلى غير ذات أهمية
ورغم أن المحتويات الموجودة قديمة أو جديدة قديمة ، ورغم أنه جاء من بعده من تحدثوا باستفاضة ، تبقى طريقته الفذة السهلة هي الأكثر قبولا ورواجًا من غيرها
فقاعدة الهرم تمثل الحاجات الفسيولوجية المطلوب إشباعها ولو جزئيًا ، مثل الجوع والعطش وتجنب الألم
والدرجة الأعلى …. الحاجة إلى الأمن والأمان والبعد عن الأخطار
يلي ذلك …. الحاجة إلى الانتماء والحب والقبول من الآخرين ، مع الإحساس بالثقة والنجاح
يلي ذلك … الحاجة إلى المعرفة والفضول والاستكشاف
والدرجة الأعلى … الحاجة إلى الشعور بالتناسق والجمال
ويأتي على قمة الهرم … الحاجة إلى تحقيق الذات من خلال عمل بعيد عن احتياجاتها الأساسية
ولنا ملاحظات هامة :
  1. الحاجات كلها موجودة طوال الوقت داخل النفس ” نرى الفقير المعدم يسعى إلى إثبات ذاته ، ويضع صور جميلة بدون برواز على جدران منزله الغير مطلية ” … ولكن في مرحلة ما تبرز إحداها وتطغى على الباقي
  2. عدم الإشباع لا يعني فقط التوقف عن الصعود الدرجة الأعلى ، بل قد يعني انتقال الإشباع إلى صورة أخرى ” بيتهوفن كان أصم وملئ الدنيا بقطع موسيقية …. نيوتن رسب في الرياضيات ، وملئ البشرية باختراعاته .. العقاد لم يحصل إلا على الابتدائية ، وملئ الدنيا فكرًا وبحثًا …. صلاح جاهين و أبو العلاء المعري كانا مكتئبين وخرج من نبع الاكتئاب روائع ” ورأينا وسمعنا عن أناس اقتنعوا بالحد الأدنى من الطعام والشراب والملبس ووهبوا أنفسهم لتحقيق رسالتهم في الحياة – أعلى الهرمـ
  3. النظرة للنفس على أنها مجرد جسد له رغبات ودوافع ويعيش في بيئة يتأثر بها وتجسد احتياجاته وتطلعاته ، نظرة محدودة ناقصة … الإنسان روح وجسد ، والروح لها مطالب واحتياجات تمامًا مثل الجسد، ويسعى الإنسان لتحقيق مطالب الروح ، وأيضًا إذا لم يتحقق الحد الأدنى من الإشباع الروحي يحدث الخلل
هرم ماسلو
هرم ماسلو

فقاعدة الهرم الروحي الذي نتحدث عنه تتمثل في ضرورة الإيمان بإله قوي قادر ، أرسل رسلا لهداية الناس ، ويجمع الناس ليوم يحاسبون فيه
تليها درجة الإحساس الداخلي بالسكينة والهدوء رغم المخاطر التى قد تحيط بالجسد … فالأمن والأمان داخلي وخارجي
أما الحاجة إلى الانتماء والحب فيوازيها في الهرم الروحي … الحاجة إلى تجمع يحتويه ، ويعطيه من داخله الشعور بالانتماء ، هذا التجمع قد يكون ” الأهل أو الأصدقاء أو إتباع نفس الفكرة ” ـ
وأما الحاجة إلى المعرفة … فلا أدري ما فائدة المعرفة بدون التفكير والتدبر والاتعاظ ، والوصل إلى حقيقة الحياة والوجود
والحاجة إلى الإحساس بالجمال والتناسق .. ستكون أعظم وأعمق إذا كان معها إمتنان وشكر لمن أوجد وخلق هذا التناسق والجمال
أما تحقيق الذات من خلال عمل بعيدًا حاجاتها الأساسية ، فلا نراه يتم ويتحقق إلا بالإخلاص التام للفكرة وأن يهب الإنسان نفسه لها
وختامًا … تقف هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة هرمًا شامخ يتحدى كل الدوافع الجسدية ويطرحها أرضًا ، ويعلي كل الدوافع الروحية
تعالى إلى أم أيمن … خرجت منفردة وحيدة في الصحراء وهي امرأة ” لا زاد ولا مال ولا معين ” وتخرج إلى مجهول لا تعرفه قد تضيع فيه أكثر ، وإلى غرباء لا تعرفهم قد يؤلموها أكثر ، وإلى حيث اللا أمل والفراغ والمجهول اللهم إلا نصرة الله ورسوله

May 18, 2012

الأمراض النفسية .. بين العلم والطب والشعوذة

أضواء على بعض الجوانب الخفية للأمراض النفسية

الدكتور لطفي الشربيني
استشاري الطب النفسي / الإسكندرية
lotfyaa@yahoo.com


يدور هذا الموضوع حول قضية هامة هي علاقة الروحانيات بالمرض النفسي وهنا نجيب علي أسئلة تدور بالأذهان منها علي سبيل المثال :
- هل يسبب الشيطان المرض النفسي ؟
- ما رأي الطب النفسي في كلام الجن والشياطين على لسان بعض المرضى ؟
- هل لحالات الوسواس القهري والصرع علاقة بوساوس الشياطين ومس الجن ؟
- ما هي وجهة نظر الطب النفسي في معتقدات الناس حول الشعوذة والأمراض النفسية ؟

وهنا - عزيزي القارئ - أتناول بعض الجوانب النفسية للعلاقة بين الشعوذة والمرض النفسي.. فلنقرأ معاً سطور هذا الموضوع..

كيمياء الأمراض النفسية ..

هناك اعتقاد قوي لدى قطاعات كبيرة من الناس خصوصاً المصابين باضطرابات نفسية وأقاربهم بأن هناك قوى خفية تسببت في إصابتهم بالمرض النفسي ، وهم يتفقون علي ذلك وكأنه حقيقة مسلم بها ، ويظل الخلاف في الكيفية التي يعمل بها الجن أو الشياطين فيتصور البعض أنهم يدخلون إلي داخل جسد الإنسان ويسببون له الاضطراب الذي لا يشفى إلا بخروجهم منه ، ويعتقد البعض الآخر أن مجرد المس من جانب هذه المخلوقات يكفي لحدوث المرض ، ويرى آخرون أن المسألة هي وساوس يقوم بتوجيهها الشيطان إلى ضحاياه عن بعد ..

والشيطان في كل الحالات متهم بأنه السبب الرئيسي وربما الوحيد وراء المرض النفسي علي وجه الخصوص وأحياناً بعض الحالات المرضية الأخرى ، ويدفع هذا الاعتقاد الكثير من المرضى إلى طلب العلاج لدى الدجالين والمشعوذين الذين يتعاملون مع الجن والشياطين دون التفكير في اللجوء إلى الطب النفسي إلا بعد مرور وقت طويل من المعاناة .

وبحكم العمل في الطب النفسي فإن نسبة لا تقل عن 70 % من المرضى يذهبون في البداية إلى المعالجين الشعبيين أو المشعوذين قبل أن يفكروا في زيارة الطبيب النفسي ، ورغم انه لا يوجد دليل واحد على علاقة الشيطان بالأمراض النفسية فإن بعضاً من المتعلمين إلى جانب البسطاء لا يستطيع فهم الحقائق العلمية التي تؤكد أن غالبية الأمراض النفسية الرئيسية قد تم التوصل إلى معرفة أسبابها وأنها نتيجة تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي ويمكن علاجها عن طريق تعديل الخلل الذي يعاني منه المريض باستخدام الأدوية النفسية الحديثة أو العلاج النفسي ، وكما سنعرض نماذج لذلك في هذا الموضوع فإن الشيطان ليس له دور مطلقاً في هذه المسألة .

عندما يتكلم الشيطان !!

من الحالات الغريبة التي يتناقل الناس الحديث حولها في المجتمعات العربية حالات لمرضى يغيبون عن الوعي ويبدأ الشيطان أو الجن في الحديث من داخلهم !! .. فالكلام يصدر عنهم لكنه بنبرات وأسلوب يختلف عن طريقتهم المعتادة في الحديث ، والكل هنا يؤكد أن المتحدث هو المخلوق الغريب بداخلهم ، وربما يذكر هذا المتحدث اسمه وديانته والمكان الذي حضر منه فهناك الجن الكافر ، وهناك الشيطان الصغير ، والفتاة المثقفة ، والمرأة التي تبدى رغبتها في الزواج من المريض ، أو الرجل الذي يؤكد أنه يحب ضحيته ولن يتركها ، وكل هذه نماذج من الشياطين الذين يتحاورون مع
المحيطين بالمريض وكثيراً ما يقدم الواحد منهم بعض المطالب حتي يتخلى عن المهمة التي يقوم بها مع هذا المريض ويتركه وشأنه .. والكلام هنا مؤكد ، وتسمعه من مصادر كثيرة لدرجة أن بعض الناس يقول لك أن لديه تسجيلات لهذه الوقائع بصوت الشيطان نفسه حتي يصدق الجميع ذلك .. فما تفسير هذا من وجهة نظر الطب النفسي !؟

الواقع أنني شخصياً قد استمعت إلى مثل هذه الأشياء في حياتي العملية عدة مرات .. لكن هذه الحالة أيضاً لا علاقة لها بالشيطان نهائياً ، والمتحدث هنا هو المريض نفسه وهو في حالة نطلق عليها التحول الهستيري يغيب فيها عن الوعي مؤقتاً وتظهر بعض محتويات عقله الباطن فيقوم بالتنفيس عن بعض رغباته المكبوتة ويهرب من الواقع والضغوط التي لا يحتملها فيتصور الجميع أن بداخله شيطان يتكلم ، وهذه الحالات لا تحتاج إلى جلسات " الزار " أو الذهاب إلى الدجالين ، أو ضرب المريض بقسوة لإخراج الجن ، كل ما في الأمر هو تهدئة المريض وبحث حالته النفسية والتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها ، وهنا تتحسن الحالة دون تعامل مع الشيطان .

الأصوات والخيالات والوساوس .. هل هي مرضية أم شيطانية !؟

مرض الوسواس القهري
OCD هو أحد الأمراض النفسية الشائعة بصورة لم نكن نحيط بها من قبل حيث اعتقد الأطباء النفسيون أنه من الحالات النادرة ، لكن الدراسات الحديثة تؤكد انه يصيب 3% من الناس .. وقد ارتبط هذا المرض في الأذهان بوساوس الشياطين بسبب التشابه بين مسمي " الوسواس القهري " ووصف الشيطان " الوسواس الخناس " الذي ورد في القرآن الكريم ، لكن إذا علمنا أن الوسواس القهري قد أصبح من الأمراض التي تم كشف النقاب عن الكثير من أسرارها ، وأن هذه الحالات لها علاقة ببعض المواد الكيميائية في المخ مثل مادة " السيروتونين " التي يتسبب اختلالها في أعراض الوسواس القهري وهي :
¨ أعمال وسواسية في صورة تكرار أفعال وطقوس لا معنى لها مثل غسل الأيدي ، أو الطهارة عند ملامسة أي شيء ، أو التمتمة بكلمات أو أعداد معينة قبل بدء أي عمل ، أو إعادة الوضوء عدة مرات قبل الصلاة .
¨ أفكار وسواسية مثل الانشغال والاستغراق في التفكير في موضوعات تافهة وقضايا لا حل لها مثل مسألة البيضة والدجاجة ومن الذي أتى أولاً !؟ .. أو البحث في شكل الشيطان وماذا يأكل وكيف يعيش ؟ .. أو أفكار دينية أو جنسية لا معنى لها تشغل التفكير وتعوق الشخص عن مزاولة حياته .
¨ مخاوف وسواسية لا أساس لها من أشياء ليست مصدر خوف على الإطلاق .

وكل هذه الصور لحالات الوسواس القهري هي حالات مرضية يتعامل معها الطب النفسي حالياً بالعلاج الدوائي الذي يعيد الاتزان النفسي ونسبة الشفاء عالية حالياً باستخدام الأدوية الحديثة ولا علاقة للشيطان بكل هذه
الوساوس المرضية .

أما الهلاوس
Hallucinations فهي أن يتصور المريض أنه يرى أشباحاً أو يسمع أصواتاً تتحاور معه أو تهدده أو تأمره بأن يفعل أشياء معينة ، وقد يفسر الناس ذلك بأن الشياطين هي التي تفعل ذلك ، لكن ومن وجهة نظر الطب النفسي هي وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض يجعله يستقبل صوراً وأصواتاً لا وجود لها ، وهذه الحالات أيضاً تتحسن بالعلاج بالأدوية الحديثة ولا دخل للشيطان في هذه الأعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضى الفصام والأمراض العقلية الذهانية .
 


مرض الصرع .. ومس الشيطان :

يعتبر الصرع من أكثر الأمراض العصبية انتشاراً حيث يصيب 1% من الصغار والكبار ، ومن أعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة أو خفيفة ، وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض على الأرض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائياً ولا يفيق إلا بعد مرور وقت طويل وتتكرر هذه النوبات في أي وقت وأي مكان ، وقد كان التفسير الشائع لهذه النوبات أنها نتيجة مباشرة لمس الجن ، وكان بعض الناس يستندون إلى التشبيه الذي ورد في آيات القرآن الكريم : " ... لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " .. وظل مرض الصرع موضوعاً للكثير من الخرافات والأوهام ، وتعرض المرضى لكثير من الممارسات غير الطبية ظناً من الناس أن الأرواح والشياطين وراء حدوثه حتي كشف الطب الحديث حقيقة هذا المرض .

ونوبات الصرع كما تبين من خلال الأبحاث الطبية هي نتيجة لخلل في موجات المخ الكهربائية نتيجة شحنات زائدة من بؤرة نشطة تسبب إثارة الخلايا العصبية وتحدث النوبة نتيجة لذلك ، ويمكن كشف ذلك ببساطة حالياً عن طريق جهاز رسم المخ
EEG الذي يلتقط هذه الإشارات ويحدد شدتها ومكانها ، كما يمكن علاج حالات الصرع عن طريق الأدوية التي تسيطر علي هذا الخلل الوظيفي في المخ ، ولا علاقة نهائياً للجن والشياطين والأرواح الشريرة بهذا المرض كما كان يعتقد من قبل .

وفي ختام هذا الموضوع حول الشيطان والمرض النفسي فإننا نذكر بعض الحقائق العلمية الهامة ، التي تمثل وجهة نظر الطب النفسي في هذه المسألة .. وهي :
- لا دخل للشيطان بالأمراض النفسية والعضوية التي تصيب الإنسان ، وأسباب هذه الأمراض اكتشف الطب جوانب كبيرة منها ، وتوصل إلى علاجها بعيداً عن أي قوى خفية .
- لا يوجد ما يدعو إلى تعظيم شأن الشيطان بأن ننسب إليه أشياء كثيرة مع أنه كما نعلم من نصوص القرآن أنه أضعف من ذلك بكثير ولا يستطيع السيطرة على الإنسان إلا من خلال قدرته المحدودة علي الإغواء لبعض الناس ممن لديهم الاستعداد لذلك .
- القضية التي ناقشناها هنا في هذا الحيز المحدود بعيدة عن أي جدل فقهي ، والمطلوب هو حملة توعية لتوضيح الحقائق حتي لا يختلط العلم والإيمان بالخرافة والدجل .
- الممارسات التي يقوم بها أدعياء الطب والدجل والشعوذة باستغلال معتقدات الناس حول الشيطان وعلاقته بالمرض النفسي يجب أن يتم وضع حد لها بعد أن تطور الطب وتوصل إلى كشف الكثير عن أسباب وعلاج هذه الحالات .

وأخيراً وبعد مناقشة هذه النقاط فإننا لم نغلق هذا الموضوع بل نعتقد أنه أصبح مفتوحاً لمزيد من الآراء بعد توضيح هذه الحقائق من وجهة النظر النفسية ، ونرجو أن نكون قد وفقنا إلى إلقاء الضوء على هذه الجوانب الغامضة للأمراض النفسية بما يساهم في إزالة ما يحيط بها من الغموض .
تم النشر في 26/5/2005