الكاتب: د. سداد جواد التميمي
| <>|
البلد: العراق
| |
هناك العديد من المصطلحات التي يستعملها البشر عند التطرق إلى التجاوزات بين الجنسين أو حتى بين أفراد من الجنس الواحد وربما يمكن جمعها تحت مظلة واحدة وهي التجاوزات الجنسية. هذه المشكلة الاجتماعية يمكن تعريفها بمرض اجتماعي وعلاجه هو مسؤولية العديد من مؤسسات الدولة والمجتمع. كذلك يجب التأكيد على أن التجاوزات الجنسية شائعة في جميع أنحاء العالم، لكن الحقيقة المؤلمة أنها أكثر شيوعاً في العالم العربي الإسلامي وأكثر مرارة من ذلك ومن أبشع ما يسمع الإنسان هو إلقاء المسؤولية من بعض السفهاء على ضحايا التحرش الجنسي بدلاً من الجناة. ليس النساء وحدهن عرضة لهذا الاعتداء وإنما يد الجناة تتمدد إلى الذكور والأطفال أحياناً. من جراء هذا الفعل هناك وجهة نظر عامة حول الرجال في العالم العربي تكاد تكون سلبية من جراء تكرار عملية التجاوزات الجنسية، وهي أن الرجال العرب غاية سلوكهم اجتماعياً هي الجنس فقط. هذا المعتقد خالٍ من الصحة والغالبية العظمى منهم لهم مشاعر عاطفية وإنسانية نبيلة لا تختلف في إطارها ومحتواها عن الرجال في العالم الغربي، ولكن ذلك لا ينفي أن هناك مشكلة لا بد من التطرق إليها. هذا المقال معنِي فقط بالتجاوزات الجنسية للرجال نحو النساء، فهي أكثر التجاوزات شيوعاً. لست هنا بصدد مراجعة الأحكام والشرائع الدينية أو انتقادها فهذه خارج اختصاصي، ولكن هذا الأمر لابد من مناقشته في مجال الصحة النفسية. ما دفعني إلى إلقاء نظرة وإبداء رأي هو رسالة من إحدى الأخوات إلى الموقع حول تعرضها إلى التجاوزات الجنسية من سائق سيارة أجرة ومعلم في الحرم المدرسي وتساءلت كيف أن الحجاب لم يمنع الآخرين من التعرض لها. مشكلة المصطلحات: هناك ثلاث مصطلحات يتم تداولها في هذا المجال وهي: 1- سوء المعاملة الجنسي Sexual Abuse. 2- التحرش الجنسي Sexual Harassment . 3- الاعتداء الجنسي Sexual Assault . المصطلح الأول شائع الاستعمال في العالم الغربي على المستوى الاجتماعي والإعلامي غير أن هذا المصطلح لا يعرف الفعل بصورة دقيقة. إن البعد اللغوي والنفسي لكلمة سوء المعاملة يحتوي على رأي ذاتي وربما يكاد يكون خالياً من الموضوعية، وخاصة عند استرجاع البعض لذكريات والحديث عن لمس الأم أو الأب لمناطق معينة من جسد الطفل. هذا الأمر شائع ويحدث أحياناً عند خضوع بعض الأفراد للعلاج النفسي وسعيهم للبحث عن تفسير لحالتهم النفسية وانهيارهم المعنوي. أما مصطلح التحرش الجنسي Sexual harassment فهو شائع الاستعمال في العالم العربي غير أنه ملئ بالتناقضات عند التطرق إلى التعامل القانوني والمهني والاجتماعي. يضاف إلى ذلك أن هذه الكلمة تشير إلى إلقاء بعض المسؤولية على ضحايا التجاوزات الجنسية وخاصة في مجال زينة المرأة وملبسها. يكثر استعمال المصطلح الأخير في مجالات العمل ويمكن التحري عنه عبر لوائح مهنية والتحقيق فيه قد يتم داخلياً أو من قبل لجنة حيادية خارجية. أما استعمال هذا المصطلح لوصف تجاوزات الرجال على النساء من مختلف الأعمار وفي شتى المجالات إن كان ذلك في الشارع أو المدرسة فإن مسألة التناقضات فيه تكون واضحة جداً وربما استعمال المصطلح الثالث وهو الاعتداء الجنسي يكون أكثر دقة. متى ما استعمل المجتمع هذا المصطلح الأكثر دقة من التحرش فلا تقع المسؤولية إلا على عاتق الجاني وحده، ويتجاوز المجتمع العصاب المزمن الذي يلازمه بشأن طبيعة المرأة ودورها في التجاوزات أو المضايقات الجنسية التي تتعرض لها. أصبحت هذه المضايقات أشبه بالوباء المتفشي في أنحاء العالم العربي ولكن طريقة علاجه تكمن في تناقض واحد وهو وضع الحدود على المرأة بدلاً من الرجل فيما يخص الملبس والزينة. يمر العالم العربي هذه الأيام بثورات تنادي بحقوق بشرية وإنسانية ولابد من إضافة حقوق نسائية تضمن للمرأة حقها المشروع في أن لا تكون هدفاً لنزوات وتهور الرجال ورفع أو بل التحريم بإلقاء اللوم عليها مهما كانت زينتها وملابسها. لباس المرأة وزينتها: لا يخلوا التطرق إلى هذا الأمر من حرج لمن يتكلم فيه وإلى من يتم توجيه الحديث له. لكل إنسان الحق في اختيار ملبسه وزينته، ولا جدال في أن هذا الأمر يقع ضمن دائرة الحرية الشخصية . إن اختيار المرأة للباسها وزينتها ربما له أسبابه الروحية والدينية، ولكن أن يحدد المجتمع ويضع الشروط على لباس المرأة اعتماداً على نصوص دينية قابلة للتأويل اعتمادا على استعمال الإنسان لقشرته المخية فهذا بحث آخر. هناك حقيقة لا تقبل الجدل بأن الحجاب ولباس المرأة يكاد يكون حصراً على المجتمع الإسلامي وخاصة العربي والغلاة من معتنقي الديانة اليهودية. ترى الطائفة الأخيرة تحدد لباس المرأة بصورة تشابه ما تلبسه المرأة في المجتمع العربي والإسلامي وعلى ضوء ذلك يتم تعريفهم بنساء طالبان. أما في العالم الإسلامي فترى الزي الموحد الإيراني تحرص الجهات المختصة على مراقبة النساء وتمسكهن به وكذلك الأمر في المملكة العربية السعودية وبصورة ربما أكثر غلواً من الأولى. أما على صعيد الأقطار الأخرى من العالم العربي الإسلامي، فإن رجال الدين لا يكفون عن الحديث في هذا الأمر، ويحرص الغلاة من الرجال والنساء على فرضه اجتماعياً ودينياً رغم غياب اللوائح القانونية والدستورية. أحد الخرافات التي يكثر تداولها بأن لباس المرأة وزينتها يجب أن لا تتجاوز عتبة معينة للوقاية من تجاوزات الرجال عليهم. هذه القاعدة اللاأخلاقية كانت سائدة قبل القرن الثامن العشر في الحضارة الغربية ويمكن تلخيصها بأن النساء أكثر شهوانية للجنس. لا يتوقف الرجال عند هذا الحد بل ويصورون المرأة بأنها أقل عقلانية، غير قادرة على إحكام السيطرة على عواطفها وتميل إلى عدم الالتزام. ربما يكون مرجع هذا المعتقد إلى التفسير الخاطئ غير الموضوعي لضعف حواء ودورها في قصة الخليقة والخروج من الجنة. تغيرت هذه المعتقدات تدريجياً وفي القرن التاسع عشر وأصبح الرأي السائد بأن الرجال هم الأكثر اندفاعاً من ناحية الغريزة الجنسية وهم الأكثر ميلاً لإغراء النساء وأن دور المرأة أكثر سلبية. على ضوء ذلك بدأ المجتمع يضع المرأة في إطار جديد محتواه أنها مخلوق ناعم، رقيق، خالٍ من التهور الجنسي وفي حاجة مستمرة إلى استعمال دفاعاتها ضد ضراوة الرجال الجنسية. لا يزال هذا الرأي سائداً إلى يومنا هذا في جميع أنحاء العالم، وهنا علينا أن نسأل: ما هو موقع الحجاب والرأي الديني في هذا البعد من دور المرأة في العلاقة مع الرجل بين المعتقدات القديمة والحديثة؟. ما هو موقع الحجاب بين ما يتصوره الرجال بأن لهم حقوقهم من عدم تحفيز غريزتهم الجنسية من قبل النساء بسبب ملبسهن وزينتهن خوفاً من يمس ذلك بطهارتهم؟. هل سيمنع الحجاب حقاً التجاوزات الجنسية أم سيضع المرأة في موقف ضعف دائم بأن الشكوى يمكن أن تعرض سمعتها للخطر في مجتمع يسيطر عليه الرجال؟. يجب على المجتمع الإجابة على هذه الأسئلة دون الرجوع إلى الوصاية الدينية وعليه التفكير ملياً بظروف المجتمع الاقتصادية والثقافية وحقوق المواطنين أنفسهم الإنسانية. فوق كل ذلك هو ضمان وصيانة الحرية الشخصية لكل إنسان. المستقبل: أهم من وضع التشريع بعد الآخر على ملبس وزينة المرأة هنالك حاجة ماسة إلى ثقافة جنسية تتناول السلوك الجنسي والهوية الجنسية ويجب كذلك بداية هذا التعليم من عمر مبكر وقبل سن العاشرة. السبب في ذلك أن أطفال اليوم يدخلون مرحلة البلوغ الجسدي Physical Maturity منذ عمر مبكر، ولكن هذا البلوغ لا يصاحبه بلوغ عاطفي Emotional Maturity الذي لا يدق على أبواب الإنسان حتى منتصف سنوات المراهقة. إن التوعية في هذا الأمر يجب أن تمتد إلى العائلة وضرورة كلامهم الصريح مع الأطفال عن الثقافة الجنسية وتنبيههم إلى ظاهرة الاعتداء الجنسي. الأهم من ذلك كله يجب على الأب والأم مساندة الطفل والوقوف بجانبه دون تردد وشروط مسبقة. أما على مستوى المجتمع فهناك حاجة ماسة إلى توعية ثقافية من جميع الجهات المدنية والدينية، حكومية كانت أم لا، لمكافحة هذا الوباء. إن لبس الحجاب لم ولن يمنع الجناة من الاعتداء على النساء وقد يضع المرأة في موقع ضعف. إن مسألة لبس وزينة المرأة لا تخلو من الإشكال ورد فعل الجمهور أحياناً يعكس لنا بأن الجمهور ذاته هو العلة ويحمل جرثومة يرفض القضاء عليها بلقاح متوفر في كل بيت وعقل إنسان. قال المصطفى صلاة الله عليه وسلم: أوصيكم بالنساء، فإنهن عندكم عوان. ما كان يقصده الرسول الكريم أن النساء عند الرجال أسيرات، وإن نظرنا اليوم حولنا لتأكد لنا صدق حديثه، ولو بُعث في الناس لنادى بفك قيود الأسر. http://www.maganin.com/content.asp?contentid=19195 | |
هذه المدونة تهدف الى تبادل الآراء والأفكار و التحديات والتطلعات ذات الإرتباط بعلم النفس وممارسته
Total Pageviews
Showing posts with label المرأة وعلم النفس. Show all posts
Showing posts with label المرأة وعلم النفس. Show all posts
May 23, 2012
النساء والتجاوزات الجنسية
May 20, 2012
الوطن أون لاين ::: السعداوي تحصل على "داجيرمان"
الوطن أون لاين ::: السعداوي تحصل على "داجيرمان
الرابطة اختارت نوال السعداوي لارتباطها ومشاركتها بالثورة المصرية التي أدت إلى سقوط حسني مبارك،
"
الرابطة اختارت نوال السعداوي لارتباطها ومشاركتها بالثورة المصرية التي أدت إلى سقوط حسني مبارك،
"
الوطن أون لاين ::: ضرب زوجته ووالديها.. فعوقب بالسجن 14 يوما
الوطن أون لاين ::: ضرب زوجته ووالديها.. فعوقب بالسجن 14 يوم
وأوضحت المصادر أن المحكمة قضت بسجنه 14 يوماً، عبر احتساب فترة إيقافه في مرجعه وجلده 50 جلدة دفعة واحدة وأخذ التعهد عليه بعدم العودة لمثل ذلك الفعل.
ا
وأوضحت المصادر أن المحكمة قضت بسجنه 14 يوماً، عبر احتساب فترة إيقافه في مرجعه وجلده 50 جلدة دفعة واحدة وأخذ التعهد عليه بعدم العودة لمثل ذلك الفعل.
ا
May 19, 2012
الدوافع… هرم ماسلو
د . حاتم آدم
21 يونيو, 2011
21 يونيو, 2011
قام لعالم ماسلو بتقسيم دوافع البشر في صورة هرمية Hierarchy ، قاعدة الهرم تمثل ” الحاجات البيولوجية الأساسية ” ، ثم يتصاعد الموقف إلى أخرى أكثر منها تعقيدًا وإلحاحًا في حالة استيفاء الحاجات الأساسية
والحاجات الموجودة في السطر الواحد من الهرم لابد من من إشباعها جزئيًا قبل الانتقال إلى السطر الأعلى ، وإلا فهي معوّقة ، وتجعل الحاجات الأعلى غير ذات أهمية
ورغم أن المحتويات الموجودة قديمة أو جديدة قديمة ، ورغم أنه جاء من بعده من تحدثوا باستفاضة ، تبقى طريقته الفذة السهلة هي الأكثر قبولا ورواجًا من غيرها
فقاعدة الهرم تمثل الحاجات الفسيولوجية المطلوب إشباعها ولو جزئيًا ، مثل الجوع والعطش وتجنب الألم
والدرجة الأعلى …. الحاجة إلى الأمن والأمان والبعد عن الأخطار
يلي ذلك …. الحاجة إلى الانتماء والحب والقبول من الآخرين ، مع الإحساس بالثقة والنجاح
يلي ذلك … الحاجة إلى المعرفة والفضول والاستكشاف
والدرجة الأعلى … الحاجة إلى الشعور بالتناسق والجمال
ويأتي على قمة الهرم … الحاجة إلى تحقيق الذات من خلال عمل بعيد عن احتياجاتها الأساسية
ولنا ملاحظات هامة :
- الحاجات كلها موجودة طوال الوقت داخل النفس ” نرى الفقير المعدم يسعى إلى إثبات ذاته ، ويضع صور جميلة بدون برواز على جدران منزله الغير مطلية ” … ولكن في مرحلة ما تبرز إحداها وتطغى على الباقي
- عدم الإشباع لا يعني فقط التوقف عن الصعود الدرجة الأعلى ، بل قد يعني انتقال الإشباع إلى صورة أخرى ” بيتهوفن كان أصم وملئ الدنيا بقطع موسيقية …. نيوتن رسب في الرياضيات ، وملئ البشرية باختراعاته .. العقاد لم يحصل إلا على الابتدائية ، وملئ الدنيا فكرًا وبحثًا …. صلاح جاهين و أبو العلاء المعري كانا مكتئبين وخرج من نبع الاكتئاب روائع ” ورأينا وسمعنا عن أناس اقتنعوا بالحد الأدنى من الطعام والشراب والملبس ووهبوا أنفسهم لتحقيق رسالتهم في الحياة – أعلى الهرمـ
- النظرة للنفس على أنها مجرد جسد له رغبات ودوافع ويعيش في بيئة يتأثر بها وتجسد احتياجاته وتطلعاته ، نظرة محدودة ناقصة … الإنسان روح وجسد ، والروح لها مطالب واحتياجات تمامًا مثل الجسد، ويسعى الإنسان لتحقيق مطالب الروح ، وأيضًا إذا لم يتحقق الحد الأدنى من الإشباع الروحي يحدث الخلل
فقاعدة الهرم الروحي الذي نتحدث عنه تتمثل في ضرورة الإيمان بإله قوي قادر ، أرسل رسلا لهداية الناس ، ويجمع الناس ليوم يحاسبون فيه
تليها درجة الإحساس الداخلي بالسكينة والهدوء رغم المخاطر التى قد تحيط بالجسد … فالأمن والأمان داخلي وخارجي
أما الحاجة إلى الانتماء والحب فيوازيها في الهرم الروحي … الحاجة إلى تجمع يحتويه ، ويعطيه من داخله الشعور بالانتماء ، هذا التجمع قد يكون ” الأهل أو الأصدقاء أو إتباع نفس الفكرة ” ـ
وأما الحاجة إلى المعرفة … فلا أدري ما فائدة المعرفة بدون التفكير والتدبر والاتعاظ ، والوصل إلى حقيقة الحياة والوجود
والحاجة إلى الإحساس بالجمال والتناسق .. ستكون أعظم وأعمق إذا كان معها إمتنان وشكر لمن أوجد وخلق هذا التناسق والجمال
أما تحقيق الذات من خلال عمل بعيدًا حاجاتها الأساسية ، فلا نراه يتم ويتحقق إلا بالإخلاص التام للفكرة وأن يهب الإنسان نفسه لها
وختامًا … تقف هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة هرمًا شامخ يتحدى كل الدوافع الجسدية ويطرحها أرضًا ، ويعلي كل الدوافع الروحية
تعالى إلى أم أيمن … خرجت منفردة وحيدة في الصحراء وهي امرأة ” لا زاد ولا مال ولا معين ” وتخرج إلى مجهول لا تعرفه قد تضيع فيه أكثر ، وإلى غرباء لا تعرفهم قد يؤلموها أكثر ، وإلى حيث اللا أمل والفراغ والمجهول اللهم إلا نصرة الله ورسوله
May 18, 2012
الأمراض النفسية .. بين
العلم والطب والشعوذة
أضواء على بعض الجوانب الخفية للأمراض النفسية
الدكتور لطفي الشربيني
استشاري الطب النفسي / الإسكندرية
lotfyaa@yahoo.com
يدور هذا الموضوع حول قضية هامة هي علاقة الروحانيات بالمرض النفسي وهنا نجيب علي أسئلة تدور بالأذهان منها علي سبيل المثال :
- هل يسبب الشيطان المرض النفسي ؟
- ما رأي الطب النفسي في كلام الجن والشياطين على لسان بعض المرضى ؟
- هل لحالات الوسواس القهري والصرع علاقة بوساوس الشياطين ومس الجن ؟
- ما هي وجهة نظر الطب النفسي في معتقدات الناس حول الشعوذة والأمراض النفسية ؟
وهنا - عزيزي القارئ - أتناول بعض الجوانب النفسية للعلاقة بين الشعوذة والمرض النفسي.. فلنقرأ معاً سطور هذا الموضوع..
كيمياء الأمراض النفسية ..
هناك اعتقاد قوي لدى قطاعات كبيرة من الناس خصوصاً المصابين باضطرابات نفسية وأقاربهم بأن هناك قوى خفية تسببت في إصابتهم بالمرض النفسي ، وهم يتفقون علي ذلك وكأنه حقيقة مسلم بها ، ويظل الخلاف في الكيفية التي يعمل بها الجن أو الشياطين فيتصور البعض أنهم يدخلون إلي داخل جسد الإنسان ويسببون له الاضطراب الذي لا يشفى إلا بخروجهم منه ، ويعتقد البعض الآخر أن مجرد المس من جانب هذه المخلوقات يكفي لحدوث المرض ، ويرى آخرون أن المسألة هي وساوس يقوم بتوجيهها الشيطان إلى ضحاياه عن بعد ..
والشيطان في كل الحالات متهم بأنه السبب الرئيسي وربما الوحيد وراء المرض النفسي علي وجه الخصوص وأحياناً بعض الحالات المرضية الأخرى ، ويدفع هذا الاعتقاد الكثير من المرضى إلى طلب العلاج لدى الدجالين والمشعوذين الذين يتعاملون مع الجن والشياطين دون التفكير في اللجوء إلى الطب النفسي إلا بعد مرور وقت طويل من المعاناة .
وبحكم العمل في الطب النفسي فإن نسبة لا تقل عن 70 % من المرضى يذهبون في البداية إلى المعالجين الشعبيين أو المشعوذين قبل أن يفكروا في زيارة الطبيب النفسي ، ورغم انه لا يوجد دليل واحد على علاقة الشيطان بالأمراض النفسية فإن بعضاً من المتعلمين إلى جانب البسطاء لا يستطيع فهم الحقائق العلمية التي تؤكد أن غالبية الأمراض النفسية الرئيسية قد تم التوصل إلى معرفة أسبابها وأنها نتيجة تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي ويمكن علاجها عن طريق تعديل الخلل الذي يعاني منه المريض باستخدام الأدوية النفسية الحديثة أو العلاج النفسي ، وكما سنعرض نماذج لذلك في هذا الموضوع فإن الشيطان ليس له دور مطلقاً في هذه المسألة .
عندما يتكلم الشيطان !!
من الحالات الغريبة التي يتناقل الناس الحديث حولها في المجتمعات العربية حالات لمرضى يغيبون عن الوعي ويبدأ الشيطان أو الجن في الحديث من داخلهم !! .. فالكلام يصدر عنهم لكنه بنبرات وأسلوب يختلف عن طريقتهم المعتادة في الحديث ، والكل هنا يؤكد أن المتحدث هو المخلوق الغريب بداخلهم ، وربما يذكر هذا المتحدث اسمه وديانته والمكان الذي حضر منه فهناك الجن الكافر ، وهناك الشيطان الصغير ، والفتاة المثقفة ، والمرأة التي تبدى رغبتها في الزواج من المريض ، أو الرجل الذي يؤكد أنه يحب ضحيته ولن يتركها ، وكل هذه نماذج من الشياطين الذين يتحاورون مع
المحيطين بالمريض وكثيراً ما يقدم الواحد منهم بعض المطالب حتي يتخلى عن المهمة التي يقوم بها مع هذا المريض ويتركه وشأنه .. والكلام هنا مؤكد ، وتسمعه من مصادر كثيرة لدرجة أن بعض الناس يقول لك أن لديه تسجيلات لهذه الوقائع بصوت الشيطان نفسه حتي يصدق الجميع ذلك .. فما تفسير هذا من وجهة نظر الطب النفسي !؟
الواقع أنني شخصياً قد استمعت إلى مثل هذه الأشياء في حياتي العملية عدة مرات .. لكن هذه الحالة أيضاً لا علاقة لها بالشيطان نهائياً ، والمتحدث هنا هو المريض نفسه وهو في حالة نطلق عليها التحول الهستيري يغيب فيها عن الوعي مؤقتاً وتظهر بعض محتويات عقله الباطن فيقوم بالتنفيس عن بعض رغباته المكبوتة ويهرب من الواقع والضغوط التي لا يحتملها فيتصور الجميع أن بداخله شيطان يتكلم ، وهذه الحالات لا تحتاج إلى جلسات " الزار " أو الذهاب إلى الدجالين ، أو ضرب المريض بقسوة لإخراج الجن ، كل ما في الأمر هو تهدئة المريض وبحث حالته النفسية والتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها ، وهنا تتحسن الحالة دون تعامل مع الشيطان .
الأصوات والخيالات والوساوس .. هل هي مرضية أم شيطانية !؟
مرض الوسواس القهري OCD هو أحد الأمراض النفسية الشائعة بصورة لم نكن نحيط بها من قبل حيث اعتقد الأطباء النفسيون أنه من الحالات النادرة ، لكن الدراسات الحديثة تؤكد انه يصيب 3% من الناس .. وقد ارتبط هذا المرض في الأذهان بوساوس الشياطين بسبب التشابه بين مسمي " الوسواس القهري " ووصف الشيطان " الوسواس الخناس " الذي ورد في القرآن الكريم ، لكن إذا علمنا أن الوسواس القهري قد أصبح من الأمراض التي تم كشف النقاب عن الكثير من أسرارها ، وأن هذه الحالات لها علاقة ببعض المواد الكيميائية في المخ مثل مادة " السيروتونين " التي يتسبب اختلالها في أعراض الوسواس القهري وهي :
¨ أعمال وسواسية في صورة تكرار أفعال وطقوس لا معنى لها مثل غسل الأيدي ، أو الطهارة عند ملامسة أي شيء ، أو التمتمة بكلمات أو أعداد معينة قبل بدء أي عمل ، أو إعادة الوضوء عدة مرات قبل الصلاة .
¨ أفكار وسواسية مثل الانشغال والاستغراق في التفكير في موضوعات تافهة وقضايا لا حل لها مثل مسألة البيضة والدجاجة ومن الذي أتى أولاً !؟ .. أو البحث في شكل الشيطان وماذا يأكل وكيف يعيش ؟ .. أو أفكار دينية أو جنسية لا معنى لها تشغل التفكير وتعوق الشخص عن مزاولة حياته .
¨ مخاوف وسواسية لا أساس لها من أشياء ليست مصدر خوف على الإطلاق .
وكل هذه الصور لحالات الوسواس القهري هي حالات مرضية يتعامل معها الطب النفسي حالياً بالعلاج الدوائي الذي يعيد الاتزان النفسي ونسبة الشفاء عالية حالياً باستخدام الأدوية الحديثة ولا علاقة للشيطان بكل هذه
الوساوس المرضية .
أما الهلاوس Hallucinations فهي أن يتصور المريض أنه يرى أشباحاً أو يسمع أصواتاً تتحاور معه أو تهدده أو تأمره بأن يفعل أشياء معينة ، وقد يفسر الناس ذلك بأن الشياطين هي التي تفعل ذلك ، لكن ومن وجهة نظر الطب النفسي هي وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض يجعله يستقبل صوراً وأصواتاً لا وجود لها ، وهذه الحالات أيضاً تتحسن بالعلاج بالأدوية الحديثة ولا دخل للشيطان في هذه الأعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضى الفصام والأمراض العقلية الذهانية .
مرض الصرع .. ومس الشيطان :
يعتبر الصرع من أكثر الأمراض العصبية انتشاراً حيث يصيب 1% من الصغار والكبار ، ومن أعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة أو خفيفة ، وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض على الأرض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائياً ولا يفيق إلا بعد مرور وقت طويل وتتكرر هذه النوبات في أي وقت وأي مكان ، وقد كان التفسير الشائع لهذه النوبات أنها نتيجة مباشرة لمس الجن ، وكان بعض الناس يستندون إلى التشبيه الذي ورد في آيات القرآن الكريم : " ... لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " .. وظل مرض الصرع موضوعاً للكثير من الخرافات والأوهام ، وتعرض المرضى لكثير من الممارسات غير الطبية ظناً من الناس أن الأرواح والشياطين وراء حدوثه حتي كشف الطب الحديث حقيقة هذا المرض .
ونوبات الصرع كما تبين من خلال الأبحاث الطبية هي نتيجة لخلل في موجات المخ الكهربائية نتيجة شحنات زائدة من بؤرة نشطة تسبب إثارة الخلايا العصبية وتحدث النوبة نتيجة لذلك ، ويمكن كشف ذلك ببساطة حالياً عن طريق جهاز رسم المخ EEG الذي يلتقط هذه الإشارات ويحدد شدتها ومكانها ، كما يمكن علاج حالات الصرع عن طريق الأدوية التي تسيطر علي هذا الخلل الوظيفي في المخ ، ولا علاقة نهائياً للجن والشياطين والأرواح الشريرة بهذا المرض كما كان يعتقد من قبل .
وفي ختام هذا الموضوع حول الشيطان والمرض النفسي فإننا نذكر بعض الحقائق العلمية الهامة ، التي تمثل وجهة نظر الطب النفسي في هذه المسألة .. وهي :
- لا دخل للشيطان بالأمراض النفسية والعضوية التي تصيب الإنسان ، وأسباب هذه الأمراض اكتشف الطب جوانب كبيرة منها ، وتوصل إلى علاجها بعيداً عن أي قوى خفية .
- لا يوجد ما يدعو إلى تعظيم شأن الشيطان بأن ننسب إليه أشياء كثيرة مع أنه كما نعلم من نصوص القرآن أنه أضعف من ذلك بكثير ولا يستطيع السيطرة على الإنسان إلا من خلال قدرته المحدودة علي الإغواء لبعض الناس ممن لديهم الاستعداد لذلك .
- القضية التي ناقشناها هنا في هذا الحيز المحدود بعيدة عن أي جدل فقهي ، والمطلوب هو حملة توعية لتوضيح الحقائق حتي لا يختلط العلم والإيمان بالخرافة والدجل .
- الممارسات التي يقوم بها أدعياء الطب والدجل والشعوذة باستغلال معتقدات الناس حول الشيطان وعلاقته بالمرض النفسي يجب أن يتم وضع حد لها بعد أن تطور الطب وتوصل إلى كشف الكثير عن أسباب وعلاج هذه الحالات .
وأخيراً وبعد مناقشة هذه النقاط فإننا لم نغلق هذا الموضوع بل نعتقد أنه أصبح مفتوحاً لمزيد من الآراء بعد توضيح هذه الحقائق من وجهة النظر النفسية ، ونرجو أن نكون قد وفقنا إلى إلقاء الضوء على هذه الجوانب الغامضة للأمراض النفسية بما يساهم في إزالة ما يحيط بها من الغموض .
تم النشر في 26/5/2005
Subscribe to:
Posts (Atom)